أبي حيان الأندلسي

338

البحر المحيط في التفسير

الضحاك . وروي عن ابن عباس : أو في المسلمين يأمرهم بالدخول في شرائع الإسلام ، قاله مجاهد ، وقتادة . أو : في المنافقين ، واحتج لهذا بورودها عقيب صفة المنافقين ، وعلى هذا الاختلاف في سبب النزول اختلفت أقاويل أهل التفسير . وقرأ نافع ، وابن كثير ، والكسائي : بفتح السين في السلم ، وكذلك في الأنفال : وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ « 1 » وفي القتال : وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ « 2 » . واختلف في السلم هنا ، فقيل : هو الإسلام ، لأن الإسلام : قد يسمى : سلما بكسر السين ، وقد يروى فيه الفتح ، كما روي في السلم الذي هو الصلح الفتح والكسر ، إلا أن الفتح في السلم الذي هو الإسلام قليل ، وجوّز أبو عليّ الفارسي أن يكون السلم هنا هو الذي بمعنى الصلح ، لأن الإسلام صلح على الحقيقة ، ألا ترى أنه لا قتال بين أهله ، وأنهم يد واحدة على من سواهم ؟ فإن كان الخطاب لابن سلام وأصحابه فقد أمروا بالدخول في شرائع الإسلام ، وأن لا يبقوا على شيء من شرائع أهل الكتاب التي لا توافق شرائع الإسلام ، وإن كان الخطاب لأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بالرسول ، فالمعنى : يا أيها الذين آمنوا بما سبق من أنبيائهم ادخلوا في هذه الشريعة ، وهي لهم ، كأنه قيل : يا من سبق له الإيمان بالتوراة والإنجيل ، وهما دالان على صدق هذه الشريعة ، ادخلوا في هذه الشريعة ، وإن كان الخطاب للمسلمين فالمعنى : يا من آمن بقلبه ، وصدّق ، ادخل في شرائع الإسلام ، واجمع إلى الإيمان الإسلام . وقد فسر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الإيمان والإسلام في حديث سؤال جبريل حين سأله عن حقيقة كل واحد منهما . وإن كان الخطاب للمنافقين ، فالمعنى : يا من آمن بلسانه ، ادخل في الإسلام بالقلب حتى يطابق القول الاعتقاد . والظاهر من هذه الأقوال أنه خطاب للمؤمنين ، أمروا بامتثال شرائع الإسلام ، أو بالانقياد ، والرضى وعدم الاضطرار ، أو بترك الانتقام ، وأمروا كلهم بالائتلاف وترك الاختلاف ، ولذلك جاء بقوله كَافَّةً وانتصاب كَافَّةً على الحال من الفاعل في : ادخلوا ، والمعنى ادخلوا في السلم جميعا ، وهي حال تؤكد معنى العموم ، فتفيد معنى : كل ، فإذا قلت : قام الناس كافة ، فالمعنى قاموا كلهم ، وأجاز الزمخشري وغيره أن يكون حالا من السلم ، أي في شرائع الإسلام كلها ، أمروا بأن لا يدخلوا في طاعة دون طاعة .

--> ( 1 ) سورة الأنفال : 8 / 61 . ( 2 ) سورة محمد : 47 / 35 .