أبي حيان الأندلسي

275

البحر المحيط في التفسير

بكثرة ، وقيل : الدفع بكثرة ، ويقال : رجل فياض أي مندفق بالعطاء ، وقيل : الانصراف ، من قولهم : أفاض بالقداح ، وعلى القداح ، وهي الميسر ، وأفاض البعير بجرانه . عرفات علم على الجبل الذي يقفون عليه في الحج ، فقيل : ليس بمشتق ، وقيل : هو مشتق من المعرفة ، وذلك سبب تسميته بهذا الاسم . وفي تعيين المعرفة أقاويل : فقيل : لمعرفة إبراهيم بهذه البقعة إذ كانت قد نعتت له قبل ذلك . وقيل : لمعرفته بهاجر وإسماعيل بهذه البقعة ، وكانت سارة قد أخرجت إسماعيل في غيبة إبراهيم ، فانطلق في طلبه حين فقده ، فوجده وأمّه بعرفات ، وقيل : لمعرفته في ليلة عرفة أن الرؤيا التي رآها ليلة يوم التروية بذبح ولده كانت من اللّه ، وقيل : لما أتى جبريل على آخر المشاعر في توقيفه لإبراهيم عليها ، قال له : أعرفت ؟ قال : عرفت ، فسميت عرفة ، وقيل : لأن الناس يتعارفون بها ، وقيل : لتعارف آدم وحوّاء بها ، لأن هبوطه كان بوادي سرنديب ، وهبوطها كان بجدّة ، وأمره اللّه ببناء الكعبة ، فجاء ممتثلا ، فتعارفا بهذه البقعة . وقيل : من العرف ، وهو الرائحة الطيبة ، وقيل : من العرف ، وهو : الصبر ، وقيل : العرب تسمي ما علا عرفات وعرفة ، ومنه : عرف الديك لعلوه ، وعرفات مرتفع على جميع جبال الحجاز ، وعرفات وإن كان اسم جبل فهو مؤنث ، حكى سيبويه : هذه عرفات مباركا فيها ، وهي مرادفة لعرفة ، وقيل : إنها جمع ، فإن عنى في الأصل فصحيح وإن عنى حالة كونها علما فليس بصحيح ، لأن الجمعية تنافي العلمية . وقال قوم : عرفة اسم اليوم ، وعرفات اسم البقعة . والتنوين في عرفات ونحوه تنوين مقابلة ، وقيل : تنوين صرف ، واعتذر عن كونه منصرفا مع التأنيث والعلمية ، بأن التأنيث إنما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع المؤنث ، وإن كان بالتقدير : كسعاد ، فلا يصح تقديرها في عرفات ، لأن هذه التاء لاختصاصها بجمع المؤنث مانعة من تقديرها كما تقدر تاء التأنيث في بنت ، لأن التاء التي هي بدل من الواو لاختصاصها بالمؤنث كتاء التأنيث ، فأنث تقديرها . انتهى هذا التعليل وأكثره للزمخشري ، وأجراه في القرآن مجرى ما لم يسم فاعله من إبقاء التنوين في الجر ، ويجوز حذفه حالة التسمية ، وحكى الكوفيون ، والأخفش إجراء ذلك وما أشبهه مجرى فاطمة ، وأنشدوا بيت امرئ القيس :