أبي حيان الأندلسي

217

البحر المحيط في التفسير

من هذه ، ثم انكشف أنه كان الفجر قد طلع وصام ، أنه لا قضاء لأنه غياه بتبين الفجر للصائم لا بالطلوع . وروي عن ابن عباس أنه بعث رجلين ينظران له الفجر ، فقال أحدهما : طلع الفجر ، وقال الآخر : لم يطلع . فقال اختلفتما ، فأكل وبان لا قضاء عليه . قال الثوري ، وعبيد اللّه بن الحسن ، والشافعي ، وقال مالك : إن أكل شاكّا في الفجر لزمه القضاء ، والقولان عن أبي حنيفة . وفي هذه التغيية أيضا دلالة على جواز المباشرة إلى التبين ، فلا يجب عليه الاغتسال قبل الفجر لأنه إذا كانت المباشرة مأذونا فيها إلى الفجر لم يمكنه الاغتسال إلا بعد الفجر ، وبهذا يبطل مذهب أبي هريرة . والحسن يرى : أن الجنب إذا أصبح قبل الاغتسال بطل صومه ، وقد روت عائشة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يصبح جنبا من جماع وهو صائم ، وهذه التغيية إنما هي حيث يمكن التبين من طريق المشاهدة ، فلو كانت مقمرة أو مغيمة ، أو كان في موضع لا يشاهد مطلع الفجر ، فإنه مأمور بالاحتياط في دخول الفجر ، إذ لا سبيل له إلى العلم بحال الطلوع ، فيجب عليه الإمساك إلى التيقن بدخول وقت الطلوع استبراء لدينه . وذهب أبو مسلم أنه لا فطر إلا بهذه الثلاثة : المباشرة ، والأكل ، والشرب . وأما ما عداها من القيء ، والحقنة ، وغير ذلك ، فإنه كان على الإباحة ، فبقي عليها . وأما الفقهاء فقالوا : خصت هذه الثلاثة بالذكر لميل النفس إليها ، وأما القيء ، والحقنة ، فالنفس تكرههما ، والسعوط نادر ، فلهذا لم يذكرها . ومن الأولى ، هي لابتداء الغاية ، قيل : وهي مع ما بعدها في موضع نصب ، لأن المعنى : حتى يباين الخيط الأبيض الخيط الأسود ، كما يقال : بانت اليد من زندها ، أي فارقته ، ومن ، الثانية للتبعيض ، لأن الخيط الأبيض هو بعض الفجر وأوله ، ويتعلق أيضا بيتبين ، وجاز تعلق الحرفين بفعل واحد ، وقد اتحد اللفظ لاختلاف المعنى ، فمن الأولى هي لابتداء الغاية ، ومن الثانية هي للتبعيض . ويجوز أن يكون للتبعيض للخيطين معا ، على قول الزجاج ، لأن الفجر عنده فجران ، فيكون الفجر هنا لا يراد به الإفراد ، بل يكون جنسا .