أبي حيان الأندلسي

218

البحر المحيط في التفسير

وقيل : ويجوز أن يكون مِنَ الْفَجْرِ حالا من الضمير في الأبيض ، فعلى هذا يتعلق بمحذوف ، أي : كائنا من الفجر ، ومن أجاز أن تكون من للبيان أجاز ذلك هنا ، فكأنه قيل : حتى يتبين لكم الخيط الأبيض الذي هو الفجر ، من الخيط الأسود ، واكتفى ببيان الخيط الأبيض عن بيان الخيط الأسود ، لأن بيان إحداهما بيان للثاني ، وكان الاكتفاء به أولى ، لأن المقصود بالتبين ، والمنوط بتبيينه : الحكم من إباحة المباشرة ، والأكل ، والشرب . ولقلق اللفظ لو صرح به ، إذ كان : يكون حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر من الليل ، فيكون من الفجر بيانا للخيط الأبيض ، ومن الليل بيانا للخيط الأسود . ولكون : من الخيط الأسود ، جاء فضلة فناسب حذف بيانه . ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ : تقدم ذكر وجوب الصوم ، فلذلك ، لم يؤمر به هنا ، ولم يتقدّم ذكر غايته ، فذكرت هنا الغاية ، وهو قوله : إِلَى اللَّيْلِ والغاية تأتي إذا كان ما بعدها ليس من جنس ما قبلها ، لم يدخل في حكم ما قبلها ، و : الليل ، ليس من جنس النهار ، فلا يدخل في حكمه ، لكن من ضرورة تحقق علم انقضاء النهار دخول جزء ما من الليل . قال ابن عباس : أهل الكتاب يفطرون من العشاء إلى العشاء ، فأمر اللّه تعالى بالخلاف لهم ، وبالإفطار عند غروب الشمس . والأمر بالإتمام هنا للوجوب ، لأن الصوم واجب ، فإتمامه واجب ، بخلاف : المباشرة ، والأكل ، والشرب ، فإن ذلك مباح في الأصل ، فكان الأمر بها الإباحة . وقال الراغب : فيه دليل على جواز النية بالنهار ، وعلى جواز تأخير الغسل إلى الفجر ، وعلى نفي صوم الوصال . انتهى . أما كون الآية تدل على جواز النية بالنهار فليس بظاهر ، لأن المأمور به إتمام الصوم لا إنشاء الصوم ، بل في ذلك إشعار بصوم سابق أمرنا بإتمامه ، فلا تعرض في الآية للنية بالنهار . وأما جواز تأخير الغسل إلى الفجر فليس بظاهر من هذه الآية أيضا ، بل من الكلام الذي قبلها . وأما الدلالة على نفي صوم الوصال ، فليس بظاهر ، لأنه غيّا وجوب إتمام الصوم بدخول الليل فقط ، ولا منافاة بين هذا وبين الوصال ، وصح في الحديث النهي عن