أبي حيان الأندلسي
179
البحر المحيط في التفسير
قوله : كما ، وجهان أحدهما : أن تكون مصدرية ، وهو الظاهر ، والآخر : أن تكون موصولة ، بمعنى . الذي . عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ : ظاهره عموم الذين من قبلنا من الأنبياء وأممهم من آدم إلى زماننا . وقال عليّ : أولهم آدم ، فلم يفترضها عليكم ، يعني : أن الصوم عبادة قديمة أصلية ما أخلى اللّه أمة من افتراضها عليهم ، فلم يفترضها عليكم خاصة ، وقيل : الذين من قبلنا هم النصارى . قال الشعبي وغيره : والمصوم معين وهو رمضان فرض على الذين من قبلنا وهم النصارى ، احتاطوا له بزيادة يوم قبله ويوم بعده قرنا بعد قرن حتى بلغوه خمسين يوما ، فصعب عليهم في الحر ، فنقلوه إلى الفصل الشمسي . قال النقاش : وفي ذلك حديث عن دغفل ، والحسن ، والسدي . وقيل : بل مرض ملك من ملوكهم ، فنذر إن برئ أن يزيد فيه عشرة أيام ، ثم أخّر سبعة ، ثم آخر ثلاثة ، ورأوا أن الزيادة فيه حسنة بإزاء الخطأ في نقله . وقيل : كان النصارى أولا يصومون ، فإذا أفطروا فلا يأكلون ولا يشربون ولا يطئون إذا ناموا ، ثم انتبهوا في الليل ، وكان ذلك في أول الإسلام ، ثم نسخ بسبب عمر ، وقيس بن صرمة . قال السدي أيضا ، والربيع وأبو العالية . قيل : وكذا كان صوم اليهود ، فيكون المراد : بالذين من قبلنا ، اليهود والنصارى ، وقيل : الذين من قبلنا : هم اليهود خاصة ، فرض علينا كما فرض عليهم ، ثم نسخه اللّه بصوم رمضان . قال الراغب : للصوم فائدتان رياضة الإنسان نفسه عن ما تدعوه إليه من الشهوات ، والاقتداء بالملإ الأعلى على قدر الوسع . انتهى . وحكمة التشبيه أن الصوم عبادة شاقة ، فإذا ذكر أنه كان مفروضا على من تقدّم من الأمم سهلت هذه العبادة . تَتَّقُونَ الظاهر : تعلق ، لعل بكتب ، أي : سبب فرضية الصوم هو رجاء حصول التقوى لكم ، فقيل : المعنى تدخلون في زمرة المتقين ، لأن الصوم شعارهم ، وقيل : تجعلون بينكم وبين النار وقاية بترك المعاصي ، فإن الصوم لإضعاف الشهوة وردعها ، كما قال عليه السلام « فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء » .