أبي حيان الأندلسي

180

البحر المحيط في التفسير

وقيل : تتقون الأكل والشرب والجماع في وقت وجوب الصوم ، قاله السدي . وقيل : تتقون المعاصي ، لأن الصوم يكف عن كثير ما تشوق إليه النفس ، قاله الزجاج . وقيل : تتقون محظورات الصوم ، وهذا راجع لقول السدي . أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ إن كان ما فرض صومه هنا هو رمضان ، فيكون قوله أياما معدودات عنى به رمضان ، وهو قول ابن أبي ليلى وجمهور المفسرين ، ووصفها بقوله : معدودات ، تسهيلا على المكلف بأن هذه الأيام يحصرها العد ليست بالكثيرة التي تفوّت العد ، ولهذا وقع الاستعمال بالمعدود كناية على القلائل ، كقوله : فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ « 1 » لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً « 2 » وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ « 3 » . وإن كان ما فرض صومه هو ثلاثة أيام من كل شهر ، وقيل : هذه الثلاثة ويوم عاشوراء ، كما كان ذلك مفروضا على الذين من قبلنا ، فيكون قوله : أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ عنى بها هذه الأيام ، وإلى هذا ذهب ابن عباس ، وعطاء . قال ابن عباس ، وعطاء ، وقتادة : هي الأيام البيض ، وقيل : وهي : الثاني عشر ، والثالث عشر ، والرابع عشر ، وقيل : الثالث عشر ويومان بعده ، وروي في ذلك حديث . « إن البيض هي الثالث عشر ويومان بعده » فإن صح لم يمكن خلافه . وروى المفسرون أنه كان في ابتداء الإسلام صوم ثلاثة أيام من كل شهر واجبا ، وصوم يوم عاشوراء ، فصاموا كذلك في سبعة عشر شهرا ، ثم نسخ بصوم رمضان . قال ابن عباس : أول ما نسخ بعد الهجرة أمر القبلة ، والصوم ، ويقال : نزل صوم شهر رمضان قبل بدر بشهر وأيام ، وقيل : كان صوم تلك الأيام تطوعا ، ثم فرض ، ثم نسخ . قال أبو عبد اللّه محمد بن أبي الفضل المرسي في ( ري الظمآن ) : احتج من قال إنها غير رمضان بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « صوم رمضان نسخ كل صوم » ، فدل على أن صوما آخر كان قبله ، ولأنه تعالى ذكر المريض والمسافر في هذه الآية ثم ذكر حكمها في الآية الآتية بعده ، فإن كان هذا الصوم هو صوم رمضان لكان هذا تكريرا ، ولأن قوله تعالى : فِدْيَةٌ يدل على

--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 203 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 80 . ( 3 ) سورة يوسف : 12 / 20 .