أبي حيان الأندلسي

133

البحر المحيط في التفسير

وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره » ولم يصرح في الآية بالإيمان بالقدر ، لأن الإيمان بالكتاب يتضمنه ، ومضمون الآية : ان البرّ لا يحصل باستقبال المشرق والمغرب بل بمجموع أمور . أحدها : الإيمان باللّه ، وأهل الكتاب أخلوا بذلك ، أمّا اليهود فللتجسم ولقولهم : عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ « 1 » وأمّا النصارى فلقولهم : الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ « 2 » . الثاني : الإيمان باللّه واليوم الآخر ، واليهود أخلوا به حيث قالوا : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً * « 3 » والنصارى أنكروا المعاد الجسماني . والثالث : الإيمان بالملائكة ، واليهود عادوا جبريل . والرابع : الإيمان بكتب اللّه ، والنصارى واليهود أنكروا القرآن . والخامس : الإيمان بالنبيين ، واليهود قتلوهم ، وكلا الفريقين من أهل الكتاب طعنا في نبوّة محمد صلى اللّه عليه وسلم . والسادس : بذل الأموال على وفق أمر اللّه ، واليهود ألقوا الشبه لأخذ الأموال . والسابع : إقامة الصلاة والزكاة ، واليهود يمتنعون منها . والثامن : الوفاء بالعهد ، واليهود نقضوه . وهذا النفي السابق ، والاستدراك لا يحمل على ظاهرهما ، لأنه نفى أن يكون التوجه إلى القبلة برا ، ثم حكم بأن البرّ أمور . أحدها : الصلاة ، ولا بدّ فيها من استقبال القبلة ، فيحمل النفي للبر على نفي مجموع البرّ ، لا على نفي أصله ، أي : ليس البر كله هو هذا ، ولكن البر هو ما ذكر ، ويحمل على نفي أصل البرّ ، لأن استقبالهم المشرق والمغرب بعد النسخ كان إثما وفجورا ، فلا يعدّ في البر ، أو لأن استقبال القبلة لا يكون برا إذا لم تقارنه معرفة اللّه تعالى ، وإنما يكون برا مع الإيمان وتلك الشرائط . وقدم الملائكة والكتب على الرسل ، وإن كان الإيمان بوجود الملائكة وصدق الكتب لا يحصل إلّا بواسطة الرسل ، لأن ذلك اعتبر فيه الترتيب الوجودي ، لأن

--> ( 1 ) سورة التوبة : 9 / 30 . ( 2 ) سورة التوبة : 9 / 30 . ( 3 ) سورة البقرة : 2 / 80 ، وسورة آل عمران : 3 / 24 .