أبي حيان الأندلسي

134

البحر المحيط في التفسير

الملك يوجد أولا ثم يحصل بوساطة تبليغه نزول الكتب ، ثم يصل ذلك الكتاب إلى الرسول ، فروعي الترتيب الوجودي الخارجي ، لا الترتيب الذهني . وقدّم الإيمان باللّه واليوم الآخر على الإيمان بالملائكة والكتب والرسل ، لأن المكلف له مبدأ ، ووسط ، ومنتهى ، ومعرفة المبدأ والمنتهى هو المقصود بالذات ، وهو المراد بالإيمان باللّه واليوم الآخر ، وأما معرفة مصالح الوسط فلا تتم إلّا بالرسالة ، وهي لا تتم إلّا بأمور ثلاثة : الملائكة الآتين بالوحي ، والموحى به : وهو الكتاب ، والموحى إليه : وهو الرسول . وقدّم الإيمان على أفعال الجوارح ، وهو : إيتاء المال والصلاة والزكاة لأن أعمال القلوب أشرف من أعمال الجوارح ، ولأن أعمال الجوارح النافعة عند اللّه تعالى إنما تنشأ عن الإيمان . وبهذه الخمسة التي هي متعلق الإيمان ، حصلت حقيقة الإيمان ، لأن الإيمان باللّه يستدعي الإيمان بوجوده وقدمه وبقائه وعلمه بكل المعلومات ، وتعلق قدرته بكل الممكنات ، وإرادته وكونه سميعا وبصيرا متكلما ، وكونه منزها عن الحالية والمحلية والتحيز والعرضية ، والإيمان باليوم الآخر يحصل به العلم بما يلزم ، من أحكام : المعاد ، والثواب ، والعقاب ، وما يتصل بذلك . والإيمان بالملائكة يستدعي صحة أدائهم الرسالة إلى الأنبياء وغير ذلك من أحوال الملائكة . والإيمان بالكتاب يقتضي التصديق بكتب اللّه المنزلة . والإيمان بالنبيين يقتضي التصديق بصحة نبوتهم وشرائعهم . قال الراغب : فإن قيل لم قدّم هنا ذكر اليوم الآخر وأخره في قوله : وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ « 1 » قيل : يجوز ذلك ، مع أن الواو لا تقتضي ترتيبا من أجل أن الكافر لا يعرف الآخرة ، ولا يعنى بها وهي أبعد الأشياء عن الحقائق عنده ، فأخر ذكره . ولما ذكر حال المؤمنين ، والمؤمن أقرب الأشياء إليه أمر الآخرة ، وكل ما يفعله ويتحراه فإنه يقصد به وجه اللّه تعالى ، ثم أمر الآخرة ، فقدّم ذكره تنبيها على أن البر مراعاة اللّه ومراعاة الآخرة ثم مراعاة غيرهما . انتهى كلامه . . وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ إيتاء المال هنا قيل : كان واجبا ، ثم نسخ بالزكاة ، وضعف بأنه جمع هنا بينه وبين الزكاة .

--> ( 1 ) سورة النساء : 4 / 136 .