عبد الله بن أحمد النسفي
92
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 70 إلى 71 ] فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى ( 70 ) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى ( 71 ) الذي في يمينك فإنه بقدرة « 1 » ربك يتلقّفها على وحدته وكثرتها إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ كوفي غير عاصم سحر بمعنى ذي سحر ، أو ذوي سحر ، أو هم لتوغّلهم في السحر كأنهم السّحر ، وكيد بالرفع على القراءتين ، وما موصولة أو مصدرية ، وإنما وحّد ساحر ولم يجمع لأنّ القصد في هذا الكلام إلى معنى الجنسية لا إلى معنى العدد ، فلو جمع لخيّل أنّ المقصود هو العدد ألا ترى إلى قوله وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ أي هذا الجنس حَيْثُ أَتى أينما كان ، فألقى موسى عصاه فتلقّفت ما صنعوا . فلعظم ما رأوا من الآية وقعوا إلى السجود ، فذلك قوله : 70 - فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قال الأخفش : من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا ، فما أعجب أمرهم ! ! قد ألقوا حبالهم وعصيّهم للكفر والجحود ، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر والسجود ، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين ، روي أنهم رأوا الجنة ومنازلهم فيها في السجود ، فرفعوا رؤوسهم ثم قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى وإنما قدّم هارون هنا وأخّر في « الشعراء » محافظة للفاصلة ولأنّ الواو لا توجب ترتيبا . 71 - قالَ آمَنْتُمْ بغير مد حفص ، وبهمزة ممدودة بصري وشامي وحجازي ، وبهمزتين غيرهم لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ أي لموسى ، يقال آمن له وآمن به إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ لعظيمكم أي لمعلمكم ، يقول أهل مكة للمعلم أمرني كبيري فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ القطع من خلاف أن تقطع اليد اليمنى والرّجل اليسرى ، لأنّ كلّ واحد من العضوين يخالف الآخر بأنّ هذا يد وذاك رجل ، وهذا يمين وذاك شمال ، ومن لابتداء الغاية ، لأن القطع مبتدأ وناشئ من مخالفة العضو العضو « 2 » ، ومحلّ الجارّ والمجرور النصب على الحال أي « 3 » لأقطّعنها مختلفات ، لأنها إذا خالف بعضها بعضا فقد اتصفت بالاختلاف ، شبّه تمكّن المصلوب في الجذع بتمكّن المظروف في الظرف فلهذا قال وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وخصّ النخل لطول جذوعها وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً أنا على ترك إيمانكم
--> ( 1 ) في ( ظ ) و ( ز ) بقدرتنا . ( 2 ) ليست في ( ز ) . ( 3 ) في ( ز ) يعني .