عبد الله بن أحمد النسفي
6
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 2 إلى 4 ] هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ( 2 ) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ( 3 ) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ( 4 ) اهتدى ومن أخطأه ضل ) « 1 » ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بعد هذا البيان بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ يساوون به الأوثان ، تقول عدلت هذا « 2 » بذا أي ساويته به ، والباء في بربهم صلة للعدل لا للكفر ، أو ثم الذين كفروا بربهم يعدلون عنه أي يعرضون عنه ، فتكون الباء صلة للكفر ، وصلة يعدلون أي عنه محذوفة ، وعطف ثمّ الذين كفروا على الحمد للّه على معنى أنّ اللّه حقيق بالحمد على ما خلق لأنه ما خلقه إلا نعمة ، ثم الذين كفروا به يعدلون فيكفرون نعمته ، أو على خلق السماوات على معنى أنه خلق ما خلق مما لا يقدر عليه أحد سواه ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شيء منه ، ومعنى ثم استبعاد أن يعدلوا به بعد وضوح آيات قدرته . 2 - هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ من لابتداء الغاية ، أي ابتدأ خلق أصلكم يعني آدم منه ثُمَّ قَضى أَجَلًا أي حكم أجل الموت وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ أجل القيامة ، أو الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت ، والثاني ما بين الموت والبعث وهو البرزخ ، أو الأول النوم والثاني الموت ، أو الثاني هو الأول وتقديره وهو أجل مسمّى أي معلوم ، وأجل مسمّى مبتدأ والخبر عنده ، وقدّم المبتدأ وإن كان نكرة والخبر ظرفا وحقه التأخير لأنه تخصص بالصفة فقارب المعرفة ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ تشكّون من المرية ، أو تجادلون من المراء . ومعنى ثم استبعاد أن يمتروا فيه بعد ما ثبت أنه محييهم ومميتهم وباعثهم . 3 - وَهُوَ اللَّهُ مبتدأ وخبر فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ متعلق بمعنى اسم اللّه ، كأنه قيل وهو المعبود فيهما كقوله : وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ « 3 » أو المعروف بالإلهية فيهما ، أو هو الذي يقال له اللّه فيهما ، والأول تفريع على أنه مشتق وغيره على أنه غير مشتق يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ خبر بعد خبر ، أو كلام مبتدأ أي هو يعلم سرّكم وجهركم وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ من الخير والشرّ ويثيب عليه ويعاقب . 4 - ومن في وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ للاستغراق وفي مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ
--> ( 1 ) رواه البيهقي وابن حبان بألفاظ متقاربة . ( 2 ) ليست في ( ز ) . ( 3 ) الزخرف ، 43 / 84 .