عبد الله بن أحمد النسفي
7
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 5 إلى 8 ] فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 5 ) أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ ( 6 ) وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ ( 7 ) وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ( 8 ) للتبعيض ، أي وما يظهر لهم دليل قط من الأدلة التي يجب فيها النظر والاعتبار إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ تاركين للنظر لا يلتفتون إليه لقلة خوفهم وتدبرهم في العواقب . 5 - فَقَدْ كَذَّبُوا مردود على كلام محذوف كأنه قيل إن كانوا معرضين عن « 1 » الآيات فقد كذبوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ أي بما هو أعظم آية وأكبرها وهو القرآن الذي تحدّوا به فعجزوا عنه فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي أنباء الشيء الذي كانوا به يستهزءون وهو القرآن أي أخباره وأحواله ، يعني سيعلمون بأي شيء استهزءوا وذلك عند إرسال العذاب عليهم في الدنيا أو يوم القيامة أو عند ظهور الإسلام وعلوّ كلمته . 6 - أَ لَمْ يَرَوْا يعني المكذبين كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ هو مدة انقضاء أهل كلّ عصر وهو ثمانون سنة ، أو سبعون مَكَّنَّاهُمْ في موضع جر صفة لقرن وجمع على المعنى فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ التمكين في البلاد إعطاء المكنة ، والمعنى لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا عادا وثمود وغيرهم ، من البسطة في الأجسام ، والسّعة في الأموال ، والاستظهار بأسباب الدنيا وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ المطر عَلَيْهِمْ مِدْراراً كثيرا وهو حال من السماء وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ من تحت أشجارهم ، والمعنى عاشوا في الخصب بين الأنهار والثمار وسقيا الغيث المدرار فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ولم يغن ذلك عنهم شيئا وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ بدلا منهم . 7 - وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً مكتوبا فِي قِرْطاسٍ في ورق فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ هو للتأكيد لئلا يقولوا سكّرت أبصارنا ومن المحتج عليهم العمى لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ تعنتا وعنادا للحق بعد ظهوره . 8 - وَقالُوا لَوْ لا هلّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم مَلَكٌ يكلمنا أنه نبي ، فقال اللّه وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ لقضي أمر هلاكهم ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ لا يمهلون
--> ( 1 ) في ( ز ) على .