عبد الله بن أحمد النسفي
449
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 22 إلى 23 ] لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً ( 22 ) وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً ( 23 ) حسدتموهم على باب عمر لما « 1 » أعدّ اللّه لهم في الجنة أكثر . 22 - لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم والمراد به أمته فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا فتصير جامعا على نفسك الذمّ والخذلان ، وقيل مشتوما بالإهانة محروما عن الإعانة إذ الخذلان ضدّ النصر والعون ، دليله قوله تعالى : إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ « 2 » حيث ذكر الخذلان بمقابلة النصر . 23 - وَقَضى رَبُّكَ وأمر أمرا مقطوعا به أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ أن مفسرة ولا تعبدوا نهي ، أو بأن لا تعبدوا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وأحسنوا بالوالدين إحسانا ، أو بأن تحسنوا بالوالدين إحسانا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ إمّا هي إن الشرطية زيدت عليها ما تأكيدا لها ، ولذا دخلت النون المؤكدة في الفعل ، ولو أفردت إن لم يصح دخولها لا تقول إن تكرمنّ زيدا يكرمك ولكن إما تكرمنّه أَحَدُهُما فاعل يبلغن ، وهو في قراءة حمزة وعليّ يبلغان بدل من ألف الضمير الراجع إلى الوالدين أَوْ كِلاهُما عطف على أحدهما فاعلا وبدلا فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ مدني وحفص . أفّ مكي وشامي . أفّ غيرهم وهو صوت يدلّ على تضجّر فالكسر على أصل التقاء الساكنين ، والفتح للتخفيف ، والتنوين لإرادة التنكير ، أي أتضجّر تضجرا ، وتركه لقصد التعريف ، أي أتضجر التضجّر المعلوم وَلا تَنْهَرْهُما ولا تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك ، والنهي والنهر أخوان وَقُلْ لَهُما بدل التأفيف والنهر قَوْلًا كَرِيماً جميلا لينا كما يقتضيه حسن الأدب ، أو هو أن يقول يا أبتاه يا أماه ولا يدعوهما بأسمائهما ، فإنه من الجفاء ، ولا بأس به في غير وجهه كما قالت عائشة رضي اللّه عنها : نحلني أبو بكر كذا « 3 » ، وفائدة عندك أنهما إذا صارا كلّا على ولدهما ولا كافل لهما غيره فهما عنده في بيته وكنفه ، وذلك أشقّ عليه ، فهو مأمور بأن يستعمل معهما لين الخلق حتى لا يقول لهما إذا أضجره ما يستقذر منهما أف فضلا
--> ( 1 ) في ( ظ ) فلما . ( 2 ) آل عمران ، 3 / 160 . ( 3 ) الموطأ عن الزهري عن عائشة رضي اللّه عنها ، ونحلني : وهبني أو أعطاني . تفسير النسفي ج 2 / م 29