عبد الله بن أحمد النسفي

450

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 24 إلى 25 ] وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً ( 24 ) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً ( 25 ) عما يزيد عليه ، ولقد بالغ سبحانه في التوصية بهما حيث افتتحها بأن شفع الإحسان إليهما بتوحيده ، ثم ضيّق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تنفلت من المتضجّر مع موجبات الضجر ومع أحوال لا يكاد يصبر الإنسان معها . 24 - وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ أي اخفض لهما جناحك كما قال : وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ « 1 » فأضافه إلى الذّلّ كما أضيف حاتم إلى الجود ، والمعنى واخفض لهما جناحك الذليل مِنَ الرَّحْمَةِ من فرط رحمتك لهما وعطفك عليهما لكبرهما وافتقارهما اليوم إلى من كان أفقر خلق اللّه إليهما بالأمس ، وقال الزّجّاج : وألن جانبك متذلّلا لهما من مبالغتك في الرحمة لهما وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً ولا تكتف برحمتك عليهما التي لا بقاء لها ، وادع اللّه بأن يرحمهما رحمته الباقية ، واجعل ذلك جزاء لرحمتهما عليك في صغرك وتربيتهما لك ، والمراد بالخطاب غيره عليه السّلام والدعاء مختصّ بالأبوين المسلمين ، وقيل إذا كانا كافرين له أن يسترحم لهما بشرط الإيمان ، وأن يدعو اللّه لهما بالهداية ، وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم : ( رضا اللّه في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما ) « 2 » ، وروي يفعل البارّ ما شاء أن يفعل فلن يدخل النار ، ويفعل العاقّ ما شاء أن يفعل فلن يدخل الجنة وعنه عليه السّلام : ( إياكم وعقوق الوالدين فإنّ الجنة يوجد ريحها من مسيرة ألف عام ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم ولا شيخ زان ولا جارّ إزاره خيلاء ، إن الكبرياء للّه ربّ العالمين ) « 3 » . 25 - رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ بما في ضمائركم من قصد البرّ إلى الوالدين ، ومن النشاط والكرامة في خدمتهما إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ قاصدين الصلاح والبرّ ، ثم فرطت منكم في حال الغضب وعند حرج الصدر هنة تؤدي إلى أذاهما ثم أبتم إلى اللّه واستغفرتم منها فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً الأوّاب الذي إذا أذنب بادر إلى التوبة ، فجاز أن يكون هذا عاما لكلّ من فرطت منه جناية ثم تاب منها ، ويندرج تحته الجاني على أبويه التائب من جنايته لوروده على أثره .

--> ( 1 ) الحجر ، 15 / 88 . ( 2 ) رواه الترمذي عن عبد اللّه بن عمرو موقوفا ، ورواه الحاكم والطبراني والبيهقي عن شعبة مرفوعا . ( 3 ) أخرجه ابن عدي والطبراني في الأوسط من رواية محمد بن الفرات وجابر الجعفي وهما متروكان .