عبد الله بن أحمد النسفي
444
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 5 إلى 7 ] فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً ( 5 ) ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ( 6 ) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً ( 7 ) وحيا مقضيّا ، أي مقطوعا مبتوتا بأنهم يفسدون في الأرض لا محالة . والكتاب التوراة ، ولتفسدنّ جواب محذوف ، أو جرى القضاء المبتوت مجرى القسم فيكون لتفسدنّ جوابا له ، كأنه قال وأقسمنا لتفسدنّ في الأرض مَرَّتَيْنِ أولاهما قتل زكرياء عليه السّلام وحبس أرمياء عليه السّلام حين أنذرهم سخط اللّه ، والأخرى « 1 » قتل يحيى بن زكرياء عليه السّلام وقصد قتل عيسى عليه السّلام وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً ولتستكبرنّ عن طاعة اللّه من قوله : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ « 2 » والمراد به البغي والظلم وغلبة المفسدين على المصلحين . 5 - فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما أي وعد « 3 » عقاب أولاهما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ سلّطنا عليكم عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ أشداء في القتال ، يعني سنحاريب وجنوده ، أو بختنصّر أو جالوت ، قتلوا علماءهم ، وأحرقوا التوراة ، وخرّبوا المسجد ، وسبوا منهم سبعين ألفا فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ ترددوا للغارة فيها ، قال الزّجّاج : الجوس طلب الشيء بالاستقصاء وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا وكان وعد العقاب وعدا لا بدّ أن يفعل . 6 - ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ أي الدولة والغلبة عَلَيْهِمْ على الذين بعثوا عليكم حين تبتم ورجعتم عن الفساد والعلوّ ، قيل هي قتل بختنصّر واستنقاذ بني إسرائيل أسراهم وأموالهم ، ورجوع الملك إليهم ، وقيل أعدنا لكم الدولة بملك طالوت وقتل داود جالوت وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً مما كنتم ، وهو تمييز ، جمع نفر ، وهو من ينفر مع الرجل من قومه . 7 - إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها قيل اللام بمعنى على ، كقوله : وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ « 4 » والصحيح أنها على بابها ، لأن اللام للاختصاص والعامل مختصّ بجزاء عمله ، حسنة كانت أو سيئة ، يعني أنّ الإحسان والإساءة
--> ( 1 ) غير مقروءة في ( أ ) . ( 2 ) القصص ، 28 / 4 . ( 3 ) في ( ز ) وعد اللّه عقاب . ( 4 ) البقرة ، 2 / 286 .