عبد الله بن أحمد النسفي
405
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 7 إلى 9 ] وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 7 ) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ( 8 ) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ( 9 ) 7 - وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ أحمالكم إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ وبفتح الشين أبو جعفر ، وهما لغتان في معنى المشقة ، وقيل المفتوح مصدر شقّ الأمر عليه شقا ، وحقيقته راجعة إلى الشقّ الذي هو الصّدع ، وأما الشّقّ فالنصف ، كأنه يذهب نصف قوته لما ينال من الجهد ، والمعنى وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه لو لم تخلق الإبل إلّا بجهد ومشقة فضلا أن تحملوا أثقالكم على ظهوركم ، أو معناه لم تكونوا بالغيه بها إلا بشقّ الأنفس ، وقيل أثقالكم أبدانكم ومنه الثقلان للجنّ والإنس ومنه : وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها « 1 » أي بني آدم إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ حيث رحمكم بخلق هذه الحوامل وتيسير هذه المصالح . 8 - وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً عطف على الأنعام ، أي وخلق هذه للركوب والزينة ، وقد احتجّ أبو حنيفة رحمه اللّه على حرمة أكل لحم الخيل بأنه علل خلقها للركوب والزينة ولم يذكر الأكل بعد ما ذكره في الأنعام ومنفعة الأكل أقوى ، والآية سيقت لبيان النعمة ولا يليق بالحكيم أن يذكر في مواضع المنّة أدنى النعمتين ويترك أعلاهما ، وانتصاب زينة على المفعول له عطفا على محل لتركبوها ، وخلق ما لا تعلمون من أصناف خلائقه وهو قوله وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ومن هذا وصفه يتعالى عن أن يشرك به غيره . 9 - وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ المراد به الجنس ولذا قال وَمِنْها جائِرٌ والقصد مصدر بمعنى الفاعل وهو القاصد ، يقال سبيل قصد وقاصد أي مستقيم ، كأنه يقصد الوجه الذي يؤمّه السالك لا يعدل عنه ، ومعناه أنّ هداية الطريق الموصل إلى الحقّ عليه ، كقوله : إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى « 2 » وليس ذلك للوجوب إذ لا يجب على اللّه شيء ولكن يفعل ذلك تفضّلا ، وقيل معناه وإلى اللّه ، وقال الزّجّاج : معناه وعلى اللّه تبيين الطريق الواضح المستقيم والدعاء إليه بالحجج ، ومنها جائر ومن « 3 » السبيل مائل
--> ( 1 ) الزلزلة ، 99 / 2 . ( 2 ) الليل ، 92 / 12 . ( 3 ) في ( ز ) ومنها جائر أي من السبيل .