عبد الله بن أحمد النسفي

391

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 30 إلى 35 ] فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ( 30 ) إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ( 31 ) قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ( 32 ) قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 33 ) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ( 34 ) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ ( 35 ) اسجدوا له ، ودخل الفاء لأنه جواب إذا ، وهو دليل على أنه يجوز تقدم الأمر عن وقت الفعل . 30 - فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ فالملائكة جمع عام محتمل للتخصيص ، فقطع باب التخصيص بقوله كلّهم ، وذكر الكلّ احتمل تأويل التفرّق فقطعه بقوله أجمعون . 31 - إِلَّا إِبْلِيسَ ظاهر الاستثناء يدلّ على أنه كان من الملائكة لأنّ المستثنى يكون من جنس المستثنى منه ، وعن الحسن أنّ الاستثناء منقطع ولم يكن هو من الملائكة ، قلنا غير المأمور لا يصير بالترك ملعونا ، وقال في « الكشّاف » كان بينهم مأمورا معهم بالسجود فغلب اسم الملائكة ثم استثني بعد التغليب كقولك رأيتهم إلا هندا أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ امتنع أن يكون معهم ، وأبى استئناف على تقدير قول قائل يقول هلّا سجد ؟ فقيل : أبى ذلك واستكبر عنه ، وقيل معناه ولكن إبليس أبى . 32 - قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ حرف الجر مع أن محذوف تقديره ما لك في أن لا تكون مع الساجدين ، أي أيّ غرض لك في إبائك السجود . 33 - قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ اللام لتأكيد النفي ، أي لا يصح مني أن أسجد لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ . 34 - قالَ فَاخْرُجْ مِنْها من السماء ، أو من الجنة ، أو من جملة الملائكة فَإِنَّكَ رَجِيمٌ مطرود من رحمة اللّه ، ومعناه ملعون لأنّ اللعنة هو الطرد من الرحمة والإبعاد منها . 35 - وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ ضرب يوم الدين حدا للعنة ، لأنه « 1 » أبعد غاية يضربها الناس في كلامهم ، والمراد به إنك مذموم مدعوّ عليك باللعنة في السماوات والأرض إلى يوم الدين من غير أن تعذب ، فإذا جاء ذلك اليوم عذّبت بما ينسى اللعن معه .

--> ( 1 ) عند كلمة لأنه ينتهي النقص في ( أ ) .