عبد الله بن أحمد النسفي
390
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 23 إلى 29 ] وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ ( 23 ) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ( 24 ) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ( 25 ) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 26 ) وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ ( 27 ) وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 28 ) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ( 29 ) السماء وإنزاله منها ، وما أنتم عليه بقادرين دلالة عظيمة على قدرته وعجزهم . 23 - وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ أي نحيي بالإيجاد ونميت بالإفناء ، أو نميت عند انقضاء الآجال ونحيي لجزاء الأعمال على التقديم والتأخير إذ الواو للجمع المطلق وَنَحْنُ الْوارِثُونَ الباقون بعد هلاك الخلق كلّهم ، وقيل للباقي وارث استعارة من وارث الميت ، لأنه يبقى بعد فنائه . 24 - وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ من تقدّم ولادة وموتا ، ومن تأخر ، أو من خرج من أصلاب الرجال ومن لم يخرج بعد ، أو من تقدّم في الإسلام ، أو في الطاعة ، أو في صفّ الجماعة ، أو في صفّ الحرب ومن تأخر . 25 - وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ أي هو وحده يقدر على حشرهم ويحيط بحصرهم إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ باهر الحكمة واسع العلم . 26 - وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ أي آدم مِنْ صَلْصالٍ طين يابس غير مطبوخ مِنْ حَمَإٍ صفة لصلصال ، أي خلقه من صلصال كائن من حمأ ، أي طين أسود متغير مَسْنُونٍ مصور وفي الأول كان ترابا فعجن بالماء فصار طينا ، فمكث فصار حمأ ، فخلص فصار سلالة ، فصوّر ويبس فصار صلصالا فلا تناقض . 27 - وَالْجَانَّ أبا الجنّ كآدم للناس ، أو هو إبليس وهو منصوب بفعل مضمر يفسره خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ من قبل آدم مِنْ نارِ السَّمُومِ من نار الحرّ الشديد النافذ في المسام ، قيل هذه السموم جزء من سبعين جزء من سموم النار التي خلق اللّه منها الجانّ . 28 - وَإِذْ قالَ رَبُّكَ واذكر وقت قوله لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ . 29 - فَإِذا سَوَّيْتُهُ أتممت خلقته وهيأتها لنفخ الروح فيها وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي وجعلت فيه الروح وأحييته ، وليس ثمة نفخ وإنما هو تمثيل والإضافة للتخصيص فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ هو أمر من وقع يقع ، أي أسقطوا على الأرض ، يعني