عبد الله بن أحمد النسفي

382

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 46 إلى 48 ] وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ ( 46 ) فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ ( 47 ) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ( 48 ) قبله ، وإنما نصب كيف بقوله فَعَلْنا بِهِمْ أي أهلكناهم وانتقمنا منهم وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ أي صفات ما فعلوا وما فعل بهم ، وهي في الغرابة كالأمثال المضروبة لكلّ ظالم . 46 - وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ أي مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم ، وهو ما فعلوه من تأييد الكفر وبطلان الإسلام وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وهو مضاف إلى الفاعل كالأول ، والمعنى ومكتوب عند اللّه مكرهم فهو مجازيهم عليه بمكر هو أعظم منه ، أو إلى المفعول أي عند اللّه مكرهم الذي يمكرهم به ، وهو عذابهم الذي يأتيهم من حيث لا يشعرون وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ بكسر اللام الأولى ونصب الثانية ، والتقدير وإن وقع مكرهم لزوال أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم فعبّر عن النبي عليه السّلام بالجبال لعظم شأنه ، وكان تامة ، وإن نافية واللام مؤكدة لها كقوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ « 1 » والمعنى ومحال أن تزول الجبال بمكرهم ، على أنّ الجبال مثل لآيات اللّه وشرائعه لأنها بمنزلة الجبال الراسية ثباتا وتمكنا ، دليله قراءة ابن مسعود وما كان مكرهم ، وبفتح اللام الأولى ورفع الثانية عليّ ، أي وإن كان مكرهم من الشدة بحيث تزول منه الجبال وتنقطع عن أماكنها ، فإن مخففة من إنّ واللام مؤكدة . 47 - فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ يعني قوله : إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا « 2 » كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي « 3 » مخلف مفعول ثان لتحسبنّ ، وأضاف مخلف إلى وعده وهو المفعول الثاني له والأول رسله ، والتقدير مخلف رسله وعده ، وإنما قدّم المفعول الثاني على الأول ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلا كقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ * « 4 » ثم قال رسله ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحدا فكيف يخلفه رسله الذين هم خيرته وصفوته إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب لا يماكر ذُو انتِقامٍ لأوليائه من أعدائه . 48 - وانتصاب يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ على الظرف للانتقام ، أو على إضمار اذكر ، والمعنى يوم تبدّل هذه الأرض التي تعرفونها أرضا أخرى غير

--> ( 1 ) الأنفال ، 8 / 33 . ( 2 ) غافر ، 40 / 51 . ( 3 ) المجادلة ، 58 / 21 . ( 4 ) آل عمران ، 3 / 9 . الرعد ، 13 / 31 .