عبد الله بن أحمد النسفي

323

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 49 إلى 50 ] ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ( 49 ) وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ( 50 ) أكل أهلهنّ مسندا إليهن ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ أي في السنين المخصبة إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ تحرزون وتخبّئون . 49 - ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ أي من بعد أربع عشرة سنة عام فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ من الغوث أي يجاب مستغيثهم ، أو من الغيث أي يمطرون ، يقال غيثت البلاد إذا مطرت وَفِيهِ يَعْصِرُونَ العنب والزيتون والسّمسم فيتخذون الأشربة والأدهان . تعصرون حمزة ، فأوّل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب ، والعجاف واليابسات بسنين مجدبة ، ثم بشّرهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا بأنّ العام الثامن يجيء مباركا كثير الخير غزير النّعم وذلك من جهة الوحي . 50 - وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ ليخرجه من السجن قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ أي الملك فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ أي حال النسوة اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إنما تثبت يوسف وتأنّى في إجابة الملك وقدّم سؤال النسوة ليظهر براءة ساحته عما رمي به وسجن فيه ، لئلّا يتسلّق به الحاسدون إلى تقبيح أمره عنده ويجعلوه سلّما إلى حط منزلته لديه ، ولئلا يقولوا ما خلد في السجن سبع سنين إلّا لأمر عظيم وجرم كبير ، وفيه دليل على أنّ الاجتهاد في نفي التهم واجب وجوب اتقاء الوقوف في مواقفها ، وقال عليه السّلام : ( لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره ، واللّه يغفر له ، حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني ، ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال ارجع إلى ربّك ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة وبادرت الباب ولما ابتغيت العذر إن كان لحليما ذا أناة ) « 1 » ومن كرمه وحسن أدبه أنه لم يذكر سيدته مع ما صنعت به وتسببت فيه من السجن والعذاب واقتصر على ذكر المقطّعات أيديهن إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ أي إنّ كيدهنّ عظيم لا يعلمه إلّا اللّه وهو مجازيهنّ عليه . فرجع الرسول إلى الملك من عند يوسف برسالته ، فدعا الملك النسوة

--> ( 1 ) عبد الرزاق والطبري عن عكرمة دون قوله : إن كان لحليما ذا أناة .