عبد الله بن أحمد النسفي
315
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
أيديهنّ على أيديهنّ فيقطّعنها لأنّ المتكئ إذا بهت لشيء وقعت يده على يده وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وكانوا لا يأكلون في ذلك الزمان إلّا بالسكاكين كفعل الأعاجم وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ بكسر التاء بصري وعاصم وحمزة ، وبضمّها غيرهم فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ أعظمنه وهبن ذلك الحسن الرائع « 1 » والجمال الفائق ، وكان فضل يوسف على الناس في الحسن كفضل القمر ليلة البدر على نجوم السماء ، وكان إذا سار في أزقة مصر يرى تلألؤ وجهه على الجدران ، وكان يشبه آدم يوم خلقه ربّه ، وقيل ورث الجمال من جدّته سارة ، وقيل أكبرن بمعنى حضن والهاء للسكت ، إذ لا يقال النساء قد حضنه لأنّه لا يتعدى إلى مفعول ، يقال أكبرت المرأة أي « 2 » حاضت وحقيقته دخلت في الكبر لأنها بالحيض تخرج من حدّ الصّغر ، وكأنّ أبا الطيّب « 3 » أخذ من هذا التفسير قوله : خف اللّه واستر ذا الجمال ببرقع * فإن لحت حاضت في الخدور العواتق « 4 » وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وجرحنها ، كما تقول كنت أقطع اللحم فقطعت يدي تريد جرحتها ، أي أردن أن يقطّعن الطعام الذي في أيديهن ، فدهشن لما رأينه ، فخدشن أيديهنّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ حاشا كلمة تفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء ، تقول أساء القوم حاشا زيد ، وهي حرف من حروف الجر ، فوضعت موضع التنزيه والبراءة ، فمعنى حاشا للّه « 5 » براءة اللّه وتنزيه اللّه ، وقراءة أبي عمرو حاشا للّه نحو قولك سقيا لك ، كأنه قال براءة ، ثم قال للّه ، لبيان من يبرّئ وينزّه ، وغيره حاش « 6 » بحذف الألف الأخيرة ، والمعنى تنزيه اللّه من صفات العجز ، والتعجّب من قدرته على خلق جميل مثله ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ نفين عنه البشرية لغرابة جماله وأثبتن له الملكيّة وبتتن بها الحكم لما ركز في الطباع أن لا أحسن من الملك كما ركز فيها أنّ لا أقبح من الشيطان .
--> ( 1 ) في ( ظ ) و ( ز ) الرائق . ( 2 ) في ( ظ ) إذا ، وليست في ( ز ) . ( 3 ) أبو الطيب : هو أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكوفي الكندي ، أبو الطيب المتنبي الشاعر ، ولد بالكوفة عام 303 ه ومات قتلا عام 354 ه ( الأعلام 1 / 115 ) . ( 4 ) العواتق : الأبكار اللواتي أول ما بلغن . ( 5 ) في ( ظ ) و ( ز ) اللّه . ( 6 ) في ( ظ ) و ( ز ) حاش للّه ، وفي ( أ ) ضرب على للّه .