عبد الله بن أحمد النسفي

316

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 32 إلى 33 ] قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ ( 32 ) قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 33 ) 32 - قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ تقول هو ذلك العبد الكنعاني الذي صورتنّ في أنفسكنّ ثم لمتنّني فيه ، تعني إنكنّ لم تصوّرنه بحقّ « 1 » صورته وإلّا لعذرتنني في الافتتان به وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ والاستعصام بناء مبالغة يدلّ على الامتناع البليغ ، والتحفّظ الشديد ، كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها ، وهذا بيان جلي على أنّ يوسف عليه السّلام بريء مما فسّر به أولئك الفريق الهمّ والبرهان ثم قلن له أطع مولاتك ، فقالت راعيل وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ الضمير راجع إلى ما وهي موصولة ، والمعنى ما آمره به ، فحذف الجار ، كما في قوله أمرتك الخير ، أو ما مصدرية والضمير يرجع إلى يوسف ، أي ولئن لم يفعل أمري إياه أي موجب أمري ومقتضاه لَيُسْجَنَنَّ ليحبسنّ والألف في وَلَيَكُوناً بدل من نون التأكيد الخفيفة مِنَ الصَّاغِرِينَ مع السّرّاق والسّفّاك والأبّاق ، كما سرق قلبي وأبق مني وسفك دمي بالفراق ، فلا يهنؤه « 2 » الطعام والشراب والنوم هنالك ، كما منعني هنا كلّ ذلك ، ومن لم يرض بمثلي في الحرير على السرير أميرا حصل في الحصير على الحصير حسيرا . فلما سمع يوسف تهديدها : 33 - قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ أسند الدعوة إليهنّ لأنهن قلن له ما عليك لو أجبت مولاتك ، أو افتتنت كلّ واحدة به فدعته إلى نفسها سرا فالتجأ إلى ربّه ، وقال ربّ السجن أحبّ إليّ من ركوب المعصية وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ فزع منه إلى اللّه في طلب العصمة أَصْبُ إِلَيْهِنَّ أمل إليهنّ ، والصبوة الميل إلى الهوى ، ومنه الصّبا « 3 » لأنّ النفوس تصبو إليها لطيب نسيمها وروحها وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ من الذين لا يعملون بما يعلمون ، لأنّ من لا جدوى لعلمه فهو ومن لم يعلم سواء ، أو من السفهاء . فلما كان في قوله وإلّا تصرف عني كيدهنّ معنى طلب الصرف والدعاء قال :

--> ( 1 ) في ( ظ ) و ( ز ) حق صورته . ( 2 ) في ( ز ) يهنأ ليوسف . ( 3 ) الصبا : ريح تهب من مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار ومقابلتها الدبور .