عبد الله بن أحمد النسفي
299
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 116 إلى 118 ] فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ ( 116 ) وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ( 117 ) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ( 118 ) 116 - فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ فهلّا كان ، وهو موضوع للتحضيض ومخصوص بالفعل أُولُوا بَقِيَّةٍ أولو فضل وخير ، وسمى الفضل والجود بقية لأنّ الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله ، فصار مثلا في الجودة والفضل ويقال : فلان من بقية القوم أي من خيارهم ، ومنه قولهم : في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ عجّب محمدا عليه السّلام وأمته أنه « 1 » لم يكن في الأمم التي ذكر اللّه إهلاكهم في هذه السورة جماعة من أولي العقل والدين ينهون غيرهم عن الكفر والمعاصي إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ استثناء منقطع ، أي ولكن قليلا ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد وسائرهم تاركون للنهي ، ومن في ممن أنجينا للبيان لا للتبعيض ، لأنّ النجاة للناهين وحدهم بدليل قوله : أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا « 2 » وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أي التاركون للنهي عن المنكر ، وهو عطف على مضمر أي إلّا قليلا ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد ، واتبع الذين ظلموا شهواتهم فهو عطف على نهوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ أي أتبعوا ما عرفوا فيه التنعم والترفّه من حبّ الرئاسة والثروة وطلب أسباب العيش الهنيّ ورفضوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونبذوه وراء ظهورهم وَكانُوا مُجْرِمِينَ اعتراض ، وحكم عليهم بأنهم قوم مجرمون . 117 - وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى اللام لتأكيد النفي بِظُلْمٍ حال من الفاعل ، أي لا يصح أن يهلك اللّه القرى ظالما لها وَأَهْلُها قوم مُصْلِحُونَ تنزيها لذاته عن الظلم ، وقيل الظلم الشرك ، أي لا يهلك القرى بسبب شرك أهلها وهم مصلحون في المعاملات فيما بينهم لا يضمون إلى شركهم فسادا آخر . 118 - وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً أي متفقين على الإيمان والطاعات عن اختيار ولكن لم يشأ ذلك ، وقالت المعتزلة : هي مشيئة قسر ، وذلك
--> ( 1 ) في ( ظ ) و ( ز ) أن . ( 2 ) الأعراف ، 7 / 165 .