عبد الله بن أحمد النسفي
295
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة هود ( 11 ) : آية 109 ] فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ ( 109 ) وسعده يسعده متعد فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ هو استثناء من الخلود في نعيم الجنة ، وذلك أنّ لهم سوى الجنة ما هو أكبر منها ، وهو رؤية اللّه تعالى ورضوانه ، أو معناه إلّا من شاء أن يعذبه بقدر ذنبه قبل أن يدخله الجنة . وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : ( الاستثناء في الآيتين لأهل الجنة ) « 1 » ومعناه ما ذكرنا أنه لا يكون للمسلم العاصي الذي دخل النار خلود في النار حيث يخرج منها ، ولا يكون له أيضا خلود في الجنة لأنه لم يدخل الجنة ابتداء ، والمعتزلة لمّا لم يروا خروج العصاة من النار ردّوا الأحاديث المروية في هذا الباب ، وكفى به إثما مبينا عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ غير مقطوع ولكنه ممتد إلى غير نهاية ، كقوله : لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ « 2 » وهو نصب على المصدر أي أعطوا عطاء ، قيل كفرت الجهمية « 3 » بأربع آيات : عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ أُكُلُها دائِمٌ « 4 » وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ « 5 » لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ « 6 » . لما قصّ اللّه قصص عبدة الأوثان وذكر ما أحلّ بهم من نقمه وما أعدّ لهم من عذابه قال : 109 - فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ أي فلا تشكّ بعد ما أنزل « 7 » من هذه القصص في سوء عاقبة عبادتهم لما أصاب أمثالهم قبلهم تسلية لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعدة بالانتقام منهم ووعيدا لهم ، ثم قال : ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ يريد أنّ حالهم في الشرك مثل حال آبائهم وقد بلغك ما نزل بآبائهم فسينزل « 8 » بهم مثله ، وهو استئناف معناه تعليل النهي عن المرية ، وما في مما وكما مصدرية ، أو
--> ( 1 ) لم أجده . ( 2 ) الانشقاق ، 84 / 25 . ( 3 ) الجهمية : أصحاب جهم بن صفوان السمرقندي ، أبو محرز ، من موالي بني راسب ، ومن عقائدهم أن الجنة والنار تفنيان بعد دخول أهلهما فيهما ، وقتل جهم في آخر ملك بني أمية ( - عام 128 ه - ) ( الملل والنحل الباب الأول - الفصل الثاني ، الأعلام 2 / 141 ) . ( 4 ) الرعد ، 13 / 35 . ( 5 ) النحل ، 16 / 96 . ( 6 ) الواقعة ، 56 / 33 . ( 7 ) في ( ز ) أنزل عليك . ( 8 ) في ( ظ ) و ( ز ) فسينزلن .