عبد الله بن أحمد النسفي

294

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 106 إلى 108 ] فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ( 106 ) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ( 107 ) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ( 108 ) مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ « 1 » فَمِنْهُمْ الضمير لأهل الموقف لدلالة لا تكلّم نفس عليه ، وقد مرّ ذكر الناس في قوله مجموع له الناس شَقِيٌّ معذب وَسَعِيدٌ أي ومنهم سعيد ، أي منعّم . 106 - فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ هو أول نهيق الحمار وَشَهِيقٌ هو آخره ، أو هما إخراج النّفس وردّه ، والجملة في موضع الحال والعامل فيها الاستقرار الذي في النار . 107 - خالِدِينَ فِيها حال مقدرة ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ في موضع النصب أي مدة دوام السماوات والأرض ، والمراد سماوات الآخرة وأرضها ، وهي دائمة مخلوقة للأبد ، والدليل على أنّ لها سماوات وأرضا قوله : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ « 2 » وقيل ما دام فوق وتحت ، ولأنه لا بدّ لأهل الآخرة مما يقلّهم ويظلّهم إما سماء أو عرش ، وكلّ ما أظلّك فهو سماء ، أو هو عبارة عن التأبيد ونفي الانقطاع كقول العرب : ما لاح كوكب ، وغير ذلك من كلمات التأبيد إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ هو استثناء من الخلود في عذاب النار ، وذلك لأنّ أهل النار لا يخلدون في عذاب النار وحده بل يعذبون بالزمهرير وأنواع من العذاب سوى عذاب النار ، أو ما شاء بمعنى من شاء وهم قوم يخرجون من النار ويدخلون الجنة فيقال لهم الجهنّميّون ، وهم المستثنون من أهل الجنة أيضا لمفارقتهم إياها بكونهم في النار أياما ، فهؤلاء لم يشقوا شقاوة من يدخل النار على التأبيد ولا سعدوا سعادة من لا تمسه النار ، وهو مروي عن ابن عباس والضحّاك « 3 » وقتادة رضي اللّه عنهم إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ بالشقي والسعيد . 108 - وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا « 4 » سعدوا حمزة وعلي وحفص . سعد لازم ،

--> ( 1 ) البقرة ، 2 / 255 . ( 2 ) إبراهيم ، 14 / 48 . ( 3 ) الضحاك : هو الضحاك بن مزاحم البلخي الخراساني ، أبو القاسم ، مفسر توفي عام 105 ه وقيل 102 ه ( الأعلام 3 / 215 ) . ( 4 ) في مصحف النسفي : سُعِدُوا بفتح السين .