عبد الله بن أحمد النسفي
206
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 102 إلى 103 ] وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 102 ) خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 103 ) 102 - وَآخَرُونَ أي قوم آخرون سوى المذكورين اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ أي لم يعتذروا من تخلّفهم بالمعاذير الكاذبة كغيرهم ، ولكن اعترفوا على أنفسهم بأنهم بئس ما فعلوا نادمين ، وكانوا عشرة ، فسبعة منهم لما بلغهم ما نزل في المتخلّفين أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد ، فقدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فدخل المسجد فصلّى ركعتين ، وكانت عادته كلما قدم من سفر ، فرآهم موثقين ، فسأل عنهم ، فذكر له أنهم أقسموا أن لا يحلّوا أنفسهم حتى يكون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هو الذي يحلّهم ، فقال : ( وأنا أقسم أن لا أحلّهم حتى أومر فيهم ) فنزلت ، فأطلقهم ، فقالوا : يا رسول اللّه هذه أموالنا التي خلّفتنا عنك فتصدّق بها وطهّرنا ، فقال : ( ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا ) فنزل خذ من أموالهم صدقة « 1 » خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً خروجا إلى الجهاد وَآخَرَ سَيِّئاً تخلّفا عنه ، أو التوبة والإثم ، وهو من قولهم بعت الشاء شاة ودرهما ، أي شاة بدرهم ، فالواو بمعنى الباء لأنّ الواو للجمع والباء للإلصاق فيتناسبان ، أو المعنى خلط كلّ واحد منهما بالآخر ، فكلّ واحد منهما مخلوط ومخلوط به ، كقولك خلطت الماء واللبن تريد خلطت كلّ واحد منهما بصاحبه ، بخلاف قولك خلطت الماء باللبن لأنك جعلت الماء مخلوطا واللبن مخلوطا به ، وإذا قلته بالواو فقد جعلت الماء واللبن مخلوطين ومخلوطا بهما ، كأنك قلت خلطت الماء باللبن بالماء عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ولم يذكر توبتهم لأنه ذكر اعترافهم بذنوبهم ، وهو دليل على التوبة . 103 - خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً كفارة لذنوبهم ، وقيل هي الزكاة تُطَهِّرُهُمْ عن الذنوب ، وهو صفة لصدقة ، والتاء للخطاب ، أو لغيبة المؤنث ، والتاء في وَتُزَكِّيهِمْ للخطاب لا محالة بِها بالصدقة والتزكية ، مبالغة في التطهير وزيادة فيه ، أو بمعنى الإنماء والبركة في المال وَصَلِّ عَلَيْهِمْ واعطف عليهم بالدعاء لهم وترحّم والسّنّة أن يدعو المصّدّق لصاحب الصدقة إذا أخذها إِنَّ صَلاتَكَ صلاتك كوفي غير أبي بكر ، وقيل الصلاة أكثر من الصلوات لأنها للجنس سَكَنٌ لَهُمْ
--> ( 1 ) البيهقي في الدلائل .