عبد الله بن أحمد النسفي
207
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 104 إلى 106 ] أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 104 ) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 105 ) وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 106 ) يسكنون إليه وتطمئن قلوبهم بأنّ اللّه قد تاب عليهم وَاللَّهُ سَمِيعٌ لدعائك ، أو يسمع اعترافهم « 1 » بذنوبهم ودعائهم عَلِيمٌ بما في ضمائرهم من الندم والغمّ لما فرط منهم . 104 - أَ لَمْ يَعْلَمُوا المراد المتوب عليهم ، أي ألم يعلموا قبل أن يتاب عليهم وتقبل صدقاتهم أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ إذا صحّت وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ ويقبلها إذا صدرت على خلوص النية ، وهو للتخصيص ، أي إنّ ذلك ليس إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إنما اللّه هو الذي يقبل التوبة ويردّها فاقصدوه بها ووجهوها إليه وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ كثير قبول التوبة الرَّحِيمُ يعفو الحوبة . 105 - وَقُلِ لهؤلاء التائبين اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ أي فإنّ عملكم لا يخفى خيرا كان أو شرا على اللّه وعباده كما رأيتم وتبيّن لكم ، أو غير التائبين ترغيبا لهم في التوبة ، فقد روي أنه لما تيب عليهم قال الذين لم يتوبوا : هؤلاء الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلّمون ولا يجالسون فما لهم ؟ فنزلت ، وقوله تعالى فسيرى اللّه ، وعيد لهم وتحذير من عاقبة الإصرار والذهول عن التوبة وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ ما يغيب عن الناس وَالشَّهادَةِ ما يشاهدونه فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ تنبئة تذكير ومجازاة عليه . 106 - وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ بغير همز مدني وكوفي غير أبي بكر ، مرجئون غيرهم من أجريته وأرجأته إذا أخرته ، ومنه المرجئة ، أي وآخرون من المتخلّفين موقوفون إلى أن يظهر أمر اللّه فيهم إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ إن أصروا ولم يتوبوا وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ إن تابوا وهم ثلاثة : كعب بن مالك « 2 » وهلال بن أمية « 3 » ومرارة
--> ( 1 ) في ( ز ) أو سميع لاعترافهم . ( 2 ) كعب بن مالك بن عمرو بن القين الأنصاري السلمي الخزرجي ، صحابي من أكابر الشعراء من أهل المدينة ، وشهد أكثر المواقع توفي عام 50 ه ( الأعلام 5 / 228 ) . ( 3 ) هلال بن أمية بن واقف بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس الأنصاري الواقفي ، من أهل بدر وممن شهدها وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم ( الأنساب 5 / 567 ) .