عبد الله بن أحمد النسفي
173
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 17 إلى 18 ] ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ ( 17 ) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ( 18 ) 17 - ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ ما صحّ لهم وما استقام أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ مسجد اللّه مكي وبصري ، يعني المسجد الحرام ، وإنما جمع في القراءة بالجمع لأنه قبلة المساجد وإمامها ، فعامرها « 1 » كعامر جميع المساجد ، ولأنّ كلّ بقعة منه مسجد ، أو أريد جنس المساجد ، وإذا لم يصلحوا لأن يعمروا جنسها دخل تحت ذلك أن لا يعمروا المسجد الحرام الذي هو صدر الجنس وهو آكد ، إذ طريقه طريق الكناية كما تقول : فلان لا يقرأ كتب اللّه كنت « 2 » أنفى لقراءته القرآن من تصريحك بذلك شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ باعترافهم بعبادة الأصنام ، وهو حال من الواو في يعمروا ، والمعنى ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متضادين : عمارة متعبّدات اللّه مع الكفر باللّه وبعبادته أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ دائمون . 18 - إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ عمارتها رمّ « 3 » ما استرمّ منها وقمّها « 4 » وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح ، وصيانتها مما لم تبن له المساجد من أحاديث الدنيا ، لأنها بنيت للعبادة والذكر ، ومن الذكر درس العلم مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ولم يذكر الإيمان بالرسول صلى اللّه عليه وسلم لما علم أنّ الإيمان باللّه قرينته الإيمان بالرسول لاقترانهما في الأذان والإقامة وكلمة الشهادة وغيرها ، أو دلّ عليه بقوله وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وفي قوله وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ تنبيه على الإخلاص ، والمراد الخشية في أبواب الدّين بأن لا يختار على رضا اللّه رضا غيره لتوقّع مخوّف إذ المؤمن قد يخشى المحاذير ولا يتمالك أن لا يخشاها ، وقيل كانوا يخشون الأصنام ويرجونها فأريد نفي تلك الخشية عنهم فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ تبعيد للمشركين عن مواقف الاهتداء ، وحسم لأطماعهم في الانتفاع بأعمالهم ، لأن عسى كلمة إطماع ، والمعنى إنما تستقيم عمارة هؤلاء وتكون معتدا بها عند اللّه دون من سواهم .
--> ( 1 ) في ( ز ) فعامره . ( 2 ) في ( ز ) فإنه . ( 3 ) رمّ : إصلاح ( القاموس 4 / 122 ) . ( 4 ) قمّ : كنس ( القاموس 4 / 167 ) .