عبد الله بن أحمد النسفي

106

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

40 / 11 أنفسهم فيناديهم خزنة النار لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ أي لمقت اللّه أنفسكم أكبر من مقتكم أنفسكم ، فاستغنى بذكرها مرة ، والمقت أشدّ البغض ، وانتصاب إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ بالمقت الأول عند الزمخشري ، والمعنى أنه يقال لهم يوم القيامة : كان اللّه يمقت أنفسكم الأمارة بالسوء والكفر حين كان الأنبياء يدعونكم إلى الإيمان فتأبون قبوله وتختارون عليه الكفر أشدّ مما تمقتونهنّ اليوم وأنتم في النار إذا وقعتم فيها باتّباعكم هواهنّ ، وقيل معناه لمقت اللّه إياكم الآن أكبر من مقت بعضكم لبعض كقوله : ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً « 1 » وإذ تدعون تعليل ، وقال جامع العلوم وغيره : إذ منصوب بفعل مضمر دلّ عليه لمقت اللّه ، أي يمقتهم اللّه حين دعوا إلى الإيمان فكفروا ولا ينتصب بالمقت الأول ، لأنّ قوله لمقت اللّه مبتدأ ، وهو مصدر وخبره أكبر من مقتكم « 2 » ، فلا يعمل في إذ تدعون ؛ لأنّ المصدر إذا أخبر عنه لم يجز أن يتعلّق به شيء يكون في صلته لأنّ الإخبار عنه يؤذن بتمامه ، وما يتعلّق به يؤذن بنقصانه ، ولا بالثاني لاختلاف الزمانين ، وهذا لأنهم مقتوا أنفسهم في النار وقد دعوا إلى الإيمان في الدنيا فَتَكْفُرُونَ فتصرّون على الكفر . 11 - قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ أي إماتتين وإحياءتين أو موتتين وحياتين . وأراد بالإماتتين خلقهم أمواتا أولا وإماتتهم عند انقضاء آجالهم ، وصحّ أن يسمى خلقهم أمواتا إماتة ، كما صحّ أن يقال : سبحان من صغّر جسم البعوضة وكبّر جسم الفيل ، وليس ثمة نقل من كبر إلى صغر ، ولا من صغر إلى كبر ، والسبب فيه أنّ الصّغر والكبر جائزان على المصنوع الواحد ، فإذا اختار الصانع أحد الجائزين فقد صرف المصنوع عن الجائز الآخر ، فجعل صرفه عنه كنقله منه . وبالإحياءتين : الإحياءة الأولى « 3 » ، وإحياءة البعث ، ويدل عليه قوله : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ « 4 » وقيل : الموتة الأولى في الدنيا ، والثانية في

--> ( 1 ) العنكبوت ، 29 / 25 . ( 2 ) زاد في ( ظ ) و ( ز ) أنفسكم . ( 3 ) في ( ز ) : في الدنيا والاحياءة الثانية البعث . ( 4 ) البقرة ، 2 / 28 .