عبد الله بن أحمد النسفي

87

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 45 إلى 47 ] وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ ( 45 ) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ ( 46 ) يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ( 47 ) الخيانة ، وترك البر ومخالفة القول العمل أَ فَلا تَعْقِلُونَ « 1 » أفلا تفطنون لقبح ما أقدمتم عليه حتى يصدّكم استقباحه عن ارتكابه ، وهو توبيخ عظيم . 45 - وَاسْتَعِينُوا على حوائجكم إلى اللّه بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ أي بالجمع بينهما ، وأن تصلّوا صابرين على تكاليف الصلاة محتملين لمشاقها ، وما يجب فيها من إخلاص القلب ، ودفع الوساوس الشيطانية ، والهواجس النفسانية ، ومراعاة الآداب والخشوع ، واستحضار العلم بأنّه انتصاب بين يدي جبار السماوات والأرض ، أو استعينوا على البلايا والنوائب بالصبر عليها ، والالتجاء إلى الصلاة عند وقوعها ، وكان رسول صلى اللّه عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة « 2 » ، وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنّه نعي إليه أخوه قثم وهو في سفر فاسترجع وصلى ركعتين ثم قال : واستعينوا بالصبر والصلاة « 3 » . وقيل الصبر الصوم لأنّه حبس عن المفطرات ، ومنه قيل لشهر رمضان شهر الصبر . وقيل الصلاة الدعاء أي استعينوا على البلايا بالصبر والالتجاء إلى الدعاء والابتهال إلى اللّه في دفعه ، وَإِنَّها الضمير للصلاة ، أو للاستعانة ، لَكَبِيرَةٌ لشاقة ثقيلة ، من قولك كبر عليّ هذا الأمر ، إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ لأنّهم يتوقعون ما ادّخر للصابرين على متاعبها فتهون عليهم ، ألا ترى إلى قوله : 46 - الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ أي يتوقعون لقاء ثوابه ونيل ما عنده ويطمعون فيه . وفسر يظنون بيتيقنون لقراءة عبد اللّه بن مسعود « 4 » يعلمون ، أي يعلمون أنّه لا بدّ من لقاء الجزاء فيعملون على حسب ذلك ، وأمّا من لم يوقن بالجزاء ولم يرج الثواب كانت عليه مشقة خالصة ، والخشوع الإخبات والتطامن ، وأما الخضوع فاللين والانقياد ، وفسر اللقاء بالرؤية ، وملاقو ربهم معاينوه بلا كيف ، وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ لا يملك أمرهم في الآخرة أحد سواه . 47 - يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ التكرير للتأكيد وَأَنِّي

--> ( 1 ) نزلت هذه الآية في يهود المدينة . ( 2 ) الطبري في تفسيره من حديث حذيفة بهذا اللفظ ، وحزبه : أصابه . ( 3 ) أخرجه سعيد بن منصور ، موقوف ، استرجع : أي قال إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ . ( 4 ) ليست في ( ظ ) و ( ز ) .