عبد الله بن أحمد النسفي

88

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 48 إلى 49 ] وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 48 ) وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ( 49 ) فَضَّلْتُكُمْ نصب عطف على نعمتي ، أي اذكروا نعمتي وتفضيلي ، عَلَى الْعالَمِينَ على الجمّ الغفير من الناس ، يقال رأيت عالما من الناس والمراد الكثرة . 48 - وَاتَّقُوا يَوْماً أي يوم القيامة وهو مفعول به لا ظرف ، لا تَجْزِي نَفْسٌ مؤمنة ، عَنْ نَفْسٍ كافرة شَيْئاً أي لا تقضي عنها شيئا من الحقوق التي لزمتها ، وشيئا مفعول به ، أو مصدر ، أي قليلا من الجزاء ، والجملة منصوبة المحلّ صفة ليوما « 1 » ، والعائد منها إلى الموصوف محذوف تقديره لا تجزى فيه وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ ولا تقبل بالتاء مكي وبصري ، والضمير في منها يرجع إلى النفس المؤمنة ، أي لا تقبل منها شفاعة للكافرة ، وقيل كانت اليهود تزعم أنّ آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فأويسوا فهو كقوله فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ « 2 » وتشبث المعتزلة بالآية في نفي الشفاعة للعصاة مردود لأنّ المنفي شفاعة الكفار وقد قال عليه السّلام : ( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي من كذّب بها لم ينلها ) « 3 » ، وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ أي فدية لأنّها معادلة للمفديّ ، وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ يعانون « 4 » وجمع لدلالة النفس المنكرة على النفوس الكثيرة ، وذكّر لمعنى العباد أو الأناسي . 49 - وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ أصل آل أهل ولذلك يصغّر بأهيل فأبدلت هاؤه ألفا ، وخص استعماله بأولي الخطر كالملوك وأشباههم ، فلا يقال آل الإسكاف والحجام ، وفرعون علم لمن ملك العمالقة ، كقيصر لملك الروم وكسرى لملك الفرس ، يَسُومُونَكُمْ حال من آل فرعون أي يولونكم من سامه خسفا إذا أولاه ظلما ، وأصله من سام السلعة إذا طلبها ، كأنّها بمعنى يبغونكم سُوءَ الْعَذابِ ويريدونكم عليه ، ومساومة البيع مزايدة « 5 » ، أو مطالبة ، وسوء مفعول ثان ليسومونكم وهو مصدر السيئ « 6 » ، يقال أعوذ باللّه من سوء الخلق وسوء الفعل ، يراد قبحهما ، ومعنى سوء العذاب ، والعذاب كلّه سيئ أشدّه وأفظعه ، يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ بيان لقوله

--> ( 1 ) في ( ز ) صفة يوما . ( 2 ) المدثر ، 74 / 48 . ( 3 ) لم أجده . ( 4 ) في ( ظ ) و ( ز ) يعاونون . ( 5 ) في ( ز ) مزيدة . ( 6 ) في ( ز ) سئ .