عبد الله بن أحمد النسفي

86

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 42 إلى 44 ] وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 42 ) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ( 43 ) أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 44 ) القرآن ، وَلا تَشْتَرُوا ولا تستبدلوا ، بِآياتِي بتغييرها وتحريفها ، ثَمَناً قَلِيلًا قال الحسن : هو الدّنيا بحذافيرها ، وقيل هو الرئاسة التي كانت لهم في قومهم خافوا عليها الفوات لو اتبعوا رسول اللّه ، وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ فخافوني فارهبوني ، فاتقوني بالياء في الحالين ، وكذلك كلّ ياء محذوفة في الخط ، يعقوب . 42 - وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ لبس الحق بالباطل خلطه . والباء إن كانت صلة مثلها في قولك لبست الشيء بالشيء خلطته به ، كان المعنى ولا تكتبوا في التوراة ما ليس منها فيختلط الحقّ المنزّل بالباطل الذي كتبتم حتى لا يميّز بين حقها وباطلكم . وإن كانت باء الاستعانة كالتي في قولك كتبت بالقلم ، كان المعنى ولا تجعلوا الحقّ ملتبسا مشتبها بباطلكم الذي تكتبونه ، وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ هو مجزوم داخل تحت حكم النهي بمعنى ولا تكتموا ، أو منصوب بإضمار أن ، والواو بمعنى الجمع ، أي ولا تجمعوا بين لبس الحقّ بالباطل وكتمان الحقّ كقولك لا تأكل السمك وتشرب اللبن . وهما أمران متميزان ، لأنّ لبس الحقّ بالباطل ما ذكرنا من كتبهم في التوراة ما ليس منها ، وكتمانهم الحقّ أن يقولوا لا نجد في التوراة صفة محمد أو حكم كذا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ في حال علمكم أنّكم لابسون وكاتمون ، وهو أقبح لهم لأنّ الجهل بالقبيح ربما عذر مرتكبه . 43 - وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ أي صلاة المسلمين وزكاتهم وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ منهم ، لأنّ اليهود لا ركوع في صلاتهم ، أي أسلموا واعملوا عمل أهل الإسلام . وجاز أن يراد بالركوع الصلاة كما يعبر عنها بالسجود ، وأن يكون أمرا بالصلاة مع المصلين يعني في الجماعة ، أي صلوها مع المصلين لا منفردين . والهمزة في : 44 - أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ للتقرير مع التوبيخ والتعجب من حالهم ، بِالْبِرِّ أي سعة الخير والمعروف ومنه البرّ لسعته ، ويتناول كلّ خير ومنه قولهم صدقت وبررت . وكان الأحبار يأمرون من نصحوه في السرّ من أقاربهم وغيرهم باتباع محمد عليه السّلام ولا يتبعونه . وقيل كانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدقون وإذا أتوا بالصدقات ليفرقوها خانوا فيها ، وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وتتركونها من البر كالمنسيات ، وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ تبكيت ، أي تتلون التوراة وفيها نعت محمد عليه السّلام ، أو فيها الوعيد على