عبد الله بن أحمد النسفي
83
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 36 ] فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ( 36 ) على تقربا ، أو نصب جواب للنهي مِنَ الظَّالِمِينَ من الذين ظلموا أنفسهم ، أو من الضارين أنفسهم . 36 - فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها أي عن الشجرة ، أي فحملهما الشيطان على الزّلة بسببها . وتحقيقه فأصدر الشيطان زلتهما عنها ، أو فأزلهما عن الجنة بمعنى أذهبهما عنها وأبعدهما . فأزالهما حمزة . وزلّة آدم بالخطإ في التأويل ، إما بحمل النهي على التنزيه دون التحريم ، أو بحمل اللام على تعريف العهد وكأنّ اللّه تعالى أراد الجنس والأول الوجه . وهذا دليل على أنه يجوز إطلاق اسم الزّلّة على الأنبياء عليهم السّلام ، كما قال مشايخ بخارى . فإنّها « 1 » اسم لفعل يقع على خلاف الأمر من غير قصد إلى الخلاف كزلّة الماشي في الطين . وقال مشايخ سمرقند لا يطلق اسم الزّلّة على أفعالهم كما لا تطلق المعصية ، وإنّما يقال فعلوا الفاضل وتركوا الأفضل فعوتبوا عليه ، فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ من النعيم والكرامة ، أو من الجنة إن كان الضمير للشجرة في عنها . وقد توصل إلى إزلالهما بعد ما قيل له اخرج منها فإنّك رجيم ، لأنّه منع عن دخولها على جهة التكرمة كدخول الملائكة لا عن دخولها على جهة الوسوسة ابتلاء لآدم وحواء ، وروي أنّه أراد الدخول فمنعته الخزنة فدخل في فم الحيّة حتى دخلت به . وقيل قام عند الباب فنادى وَقُلْنَا اهْبِطُوا الهبوط النزول إلى الأرض . والخطاب لآدم وحواء وإبليس ، وقيل والحية ، والصحيح لآدم وحواء . والمراد هما وذريتهما لأنّهما لما كانا أصل الإنس ومتشعبهم جعلا كأنّهما الإنس كلّهم ، ويدلّ عليه قوله تعالى : قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً « 2 » بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ والمراد به ما عليه الناس من التباغي والتعادي وتضليل بعضهم لبعض . والجملة في موضع الحال من الواو في اهبطوا أي اهبطوا متعادين ، وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ موضع استقرار أو استقرار ، وَمَتاعٌ وتمتع بالعيش إِلى حِينٍ إلى يوم القيامة ، أو إلى الموت . قال إبراهيم بن أدهم « 3 » : أورثتنا تلك الأكلة حزنا طويلا .
--> ( 1 ) في ( ز ) فإنه . ( 2 ) طه ، 20 / 123 . ( 3 ) إبراهيم بن أدهم بن منصور ، أبو إسحاق ، زاهد مشهور أخذ العلم عن كثير من علماء العراق والشام والحجاز مات عام 161 ه ( الأعلام 1 / 31 ) .