عبد الله بن أحمد النسفي

84

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 37 إلى 38 ] فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 37 ) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 38 ) 37 - فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ أي استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها . وبنصب آدم ورفع كلمات مكي على أنّها استقبلته بأن بلغته واتصلت به ، وهن قوله تعالى : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ « 1 » وفيه موعظة لذريتهما حيث عرفوا كيفية السبيل إلى التنصل من الذنوب . وعن ابن مسعود رضي اللّه عنه أنّ أحبّ الكلام إلى اللّه تعالى ما قاله أبونا آدم حين اقترف الخطيئة : سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدّك ولا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنّه لا يغفر الذنوب إلا أنت « 2 » . وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : يا ربّ ألم تخلقني بيدك . قال : بلى . قال : يا ربّ ألم تنفخ فيّ من روحك ، ألم تسبق رحمتك غضبك ، ألم تسكني جنتك . وهو تعالى يقول : بلى بلى . قال : فلم أخرجتني من الجنة . قال : بشؤم معصيتك . قال : فلو تبت أراجعي أنت إليها . قال : نعم « 3 » فَتابَ عَلَيْهِ فرجع عليه بالرحمة والقبول ، واكتفى بذكر توبة آدم لأنّ حواء كانت تبعا له ، وقد طوي ذكر النساء في أكثر القرآن والسّنّة لذلك ، إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الكثير القبول للتوبة الرَّحِيمُ على عباده . 38 - قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً حال أي مجتمعين . وكرر الأمر بالهبوط للتأكيد ، أو لأنّ الهبوط الأوّل من الجنة إلى السماء والثاني من السماء إلى الأرض ، أو لما نيط به من زيادة قوله ، فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً أي رسول أبعثه إليكم ، أو كتاب أنزله عليكم بدليل قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا في مقابلة قوله : فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ أي بالقبول والإيمان به فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ في المستقبل وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما خلّفوا ، والشرط الثاني مع جوابه جواب الشرط الأول ، كقولك إن جئتني فإن قدرت أحسنت إليك . فلا خوف « 4 » في كلّ القرآن يعقوب « 5 » .

--> ( 1 ) الأعراف ، 7 / 23 . ( 2 ) موقوف أخرجه ابن أبي شيبة في أوائل الصلاة من رواية إبراهيم التيمي عن الحرث بن سويد قال : قال ابن مسعود . . . فذكره ، ولم يقل : ما قال أبونا آدم حين اقترف الخطيئة . ( 3 ) موقوف أخرجه الحاكم في ترجمة آدم من تواريخ الأنبياء من رواية المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير عنه . ( 4 ) زاد في ( ز ) بالفتح . ( 5 ) يعقوب : هو يعقوب بن إسحاق بن زيد الحضرمي البصري ، أبو محمد ، أحد القراء العشرة ولد عام 117 ه وتوفي بالبصرة عام 205 ه ( غاية النهاية 2 / 386 ) .