عبد الله بن أحمد النسفي
71
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
الجنة « 1 » أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ أي بأنّ لهم « 2 » ، وموضع أنّ وما عملت فيه النصب بشّر عند سيبويه خلافا للخليل ، وهو كثير في التنزيل . والجنة : البستان من النخل والشجر المتكاثف ، والتركيب دائر على معنى الستر ومنه الجنّ والجنون والجنين والجنّة والجان والجنان ، وسميت دار الثواب جنّة لما فيها من الجنان . والجنة مخلوقة لقوله تعالى : اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ * « 3 » خلافا لبعض المعتزلة ، ومعنى جمع الجنة وتنكيرها أنّ الجنة اسم لدار الثواب كلّها ، وهي مشتملة على جنان كثيرة مرتبة مراتب بحسب أعمال العاملين لكلّ طبقة منهم جنات من تلك الجنان تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ الجملة في موضع النصب صفة لجنات ، والمراد من تحت أشجارها كما ترى الأشجار النابتة على شواطئ الأنهار الجارية . وأنهار الجنة تجري في غير أخدود . وأنزه البساتين ما كانت أشجارها مظلّة والأنهار في خلالها مطّردة ، والجري الاطراد . والنهر المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر ، يقال للنيل : نهر مصر ، واللغة الغالبة نهر ، ومدار التركيب على السعة ، وإسناد الجري إلى الأنهار مجازي ، وإنما عرّف الأنهار لأنّه يحتمل أن يراد بها أنهارها فعوّض التعريف باللام من تعريف الإضافة كقوله تعالى : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً « 4 » أو يشار باللام إلى الأنهار المذكورة في قوله تعالى : فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ « 5 » الآية ، والماء الجاري من النعمة العظمى ، واللذة الكبرى ، ولذا قرن اللّه تعالى الجنات بذكر الأنهار الجارية وقدّمه على سائر نعوتها كُلَّما رُزِقُوا صفة ثانية لجنات ، أو جملة مستأنفة ، لأنّه لما قيل إنّ لهم جنات لم يخل خلد السامع أن يقع فيه أثمار تلك الجنات أشباه ثمار جنات الدنيا أم أجناس أخر لا تشابه هذه الأجناس ، فقيل إنّ ثمارها أشباه ثمار جنات الدنيا أي أجناسها أجناسها وإن تفاوتت إلى غاية لا يعلمها إلّا اللّه مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي أي كلّما رزقوا من الجنات - من أي ثمرة كانت من تفاحها أو رمّانها أو غير ذلك - رزقا قالوا ذلك ، فمن الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية ، لأن الرزق قد ابتدئ من الجنات ، والرزق من الجنات قد ابتدئ من ثمرة ، ونظيره أن تقول رزقني
--> ( 1 ) في ( ظ ) أخطأ الناسخ في أكثر من كلمة بدءا من قوله : ولا يقال أنكم . . . إلى قوله ثم يدخله الجنة . ( 2 ) زاد في ( ز ) جنات . ( 3 ) البقرة ، 2 / 35 . الأعراف ، 7 / 19 . وفي ( ظ ) أخطأ الناسخ بكتابة الآية . ( 4 ) مريم ، 19 / 4 . ( 5 ) محمد ، 47 / 15 .