عبد الله بن أحمد النسفي
72
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
فلان ، فيقال لك من أين ، فتقول من بستانه ، فيقال من أي ثمرة رزقك من بستانه ، فتقول من الرمّان ، وليس المراد من الثمرة التفاحة الواحدة أو الرمّانة الفذّة ، وإنّما المراد نوع من أنواع الثمار رُزِقْنا أي رزقناه ، فحذف العائد مِنْ قَبْلُ أي من قبل هذا ، فلما قطع عن الإضافة بنى ، والمعنى هذا مثل الذي رزقنا من قبل ، وشبهه بدليل قوله : وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وهذا كقولك أبو يوسف « 1 » أبو حنيفة تريد أنّه لاستحكام الشبه كأنّ ذاته ذاته ، والضمير في به يرجع إلى المرزوق في الدنيا والآخرة جميعا ، لأن قوله هذا الذي رزقنا من قبل انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدّارين ، وإنّما كان ثمار الجنة مثل ثمار الدنيا ، ولم تكن أجناسا أخر ، لأنّ الإنسان بالمألوف آنس وإلى المعهود أميل ، وإذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه وعافته نفسه ، ولأنّه إذا شاهد ما سلف له به عهد ورأى فيه مزية ظاهرة وتفاوتا بينا كان استعجابه به أكثر واستغرابه أوفر ، وتكريرهم هذا القول عند كلّ ثمرة يرزقونها دليل على تناهي الأمر وتمادي الحال في ظهور المزية ، وعلى أن ذلك التفاوت العظيم هو الذي يستملي تعجبهم في كل أوان ، أو إلى الرزق كما أنّ هذا إشارة إليه ، والمعنى أنّ ما يرزقونه من ثمرات الجنة يأتيهم متجانسا في نفسه ، كما يحكى عن الحسن يؤتى أحدهم بالصحفة فيأكل منها ، ثم يؤتى بالأخرى فيقول هذا الذي أتينا به من قبل ، فيقول الملك : كل فاللون واحد والطعم مختلف . وعنه عليه السّلام : ( والذي نفس محمد بيده إنّ الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي بواصلة إلى فيه حتى يبدلها اللّه مكانها مثلها فإذا أبصروها والهيئة هيئة الأولى قالوا ذلك ) « 2 » وقوله : وأتوا به متشابها ، جملة معترضة للتقرير ، كقولك فلان أحسن بفلان ونعم ما فعل ورأى من الرأي كذا وكان صوابا ، ومنه وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ « 3 » وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ أزواج مبتدأ ولهم الخبر وفيها ظرف للاستقرار مُطَهَّرَةٌ من مساوئ الأخلاق لا طمحات ولا مرحات ، أو مما يختصّ بالنساء بالحيض والاستحاضة وما لا يختصّ بهنّ من البول والغائط وسائر الأقذار والأدناس ، ولم تجمع الصفة كالموصوف لأنّهما لغتان فصيحتان ، ولم يقل طاهرة لأنّ مطهرة أبلغ لأنّها تكون للتكثير وفيها إشعار بأنّ مطهرا طهرهنّ وما ذلك إلا اللّه عزّ وجلّ : وَهُمْ فِيها خالِدُونَ الخلد « 4 » البقاء الدائم
--> ( 1 ) أبو يوسف : هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي البغدادي ، صاحب أبي حنيفة وتلميذه ولد عام 113 ه بالكوفة وتوفي عام 182 ه ببغداد ( الأعلام 8 / 193 ) . ( 2 ) أخرجه الطبراني والبزار والحاكم من حديث ثوبان بن بجدد مولى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ( 3 ) النمل ، 27 / 34 . ( 4 ) زاد في ( ظ ) و ( ز ) والخلود .