عبد الله بن أحمد النسفي

50

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 8 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ( 8 ) قوله وعلى سمعهم دليل على شدّة الختم في الموضعين ، قال الشيخ أبو منصور « 1 » رحمه اللّه : الكافر لمّا لم يسمع قول الحقّ ولم ينظر في نفسه وفي غيره من المخلوقين « 2 » ليرى آثار الحدث « 3 » فيعلم أن لا بدّ من صانع جعل كأنّ على بصره وسمعه غشاوة وإن لم يكن ذلك حقيقة ، وهذا دليل على أنّ الأسماع عنده داخلة في حكم التّغشية ، والآية حجة لنا على المعتزلة في الأصلح ، فإنّه أخبر أنّه ختم على قلوبهم ، ولا شكّ أنّ ترك الختم أصلح لهم وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ العذاب مثل النّكال بناء ومعنى ، لأنك تقول أعذب عن الشيء إذا أمسك عنه ، كما تقول نكل عنه ، والفرق بين العظيم والكبير أنّ العظيم يقابل الحقير والكبير يقابل الصغير ، فكأنّ العظيم فوق الكبير ، كما أنّ الحقير دون الصغير . ويستعملان في الجثث « 4 » الأحداث جميعا ، تقول رجل عظيم وكبير تريد جثته أو خطره ، ومعنى التنكير أنّ على أبصارهم نوعا من التّغطية غير ما يتعارفه النّاس ، وهو غطاء التّعامي عن آيات اللّه تعالى « 5 » ، ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم من العذاب لا يعلم كنهه إلّا اللّه تعالى « 6 » . 8 - وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ افتتح سبحانه وتعالى بذكر الذين أخلصوا دينهم للّه وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم ، ثم ثنّى بالكافرين قلوبا وألسنة ، ثم ثلّث بالمنافقين الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم وهم أخبث الكفرة ، لأنّهم خلطوا بالكفر استهزاء وخداعا ولذا نزل فيهم : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ « 7 » وقال مجاهد « 8 » : أربع آيات من أوّل السّورة في نعت المؤمنين ، وآيتان في ذكر الكافرين ، وثلاث عشرة آية في المنافقين نعى عليهم فيها نكرهم وخبثهم وسفههم ، واستجهلهم ، واستهزأ بهم ، وتهكّم بفعلهم ، وسجّل بطغيانهم وعمههم ، ودعاهم صما بكما عميا ، وضرب لهم الأمثال الشنيعة . وقصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة الذين كفروا كما تعطف الجملة على الجملة . وأصل ناس أناس

--> ( 1 ) في ( ز ) قال الشيخ الإمام أبو منصور بن علي . وهو محمد بن محمد بن محمود ، أبو منصور الماتريدي ، من أئمة علماء الكلام مات عام 333 ه وله مؤلفات ( الأعلام 7 / 19 ) . ( 2 ) في ( ظ ) و ( ز ) وغيره من المخلوقات . ( 3 ) في ( ز ) الحدوث . ( 4 ) في ( ز ) الجثة . ( 5 و 6 ) ليستا في ( ظ ) و ( ز ) . ( 7 ) النساء ، 4 / 145 . ( 8 ) مجاهد بن جبر ، أبو الحجاج مولى لمخزوم ، تابعي ، مفسر من أهل مكة أخذ التفسير عن ابن عباس ولد عام 21 ه واختلف في وفاته بين الأعوام 100 و 102 و 104 ه ( الأعلام 5 / 278 ) .