عبد الله بن أحمد النسفي
49
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 7 ] خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 7 ) 7 - خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ قال الزّجّاج : الختم التغطية لأنّ في الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه تغطية له لئلّا يطّلع عليه ، وقال ابن عباس : طبع اللّه على قلوبهم فلا يعقلون الخير ، يعني أنّ اللّه طبع عليها فجعلها بحيث لا يخرج منها ما فيها من الكفر ولا يدخلها ما ليس فيها من الإيمان ، وحاصل الختم والطبع خلق الظلمة والضيق في صدر العبد عندنا ، فلا يؤمن ما دامت تلك الظلمة في قلبه ، وعند المعتزلة أعلام محض على القلوب بما يظهر للملائكة أنّهم كفار فيلعنونهم ولا يدعون لهم بخير ، وقال بعضهم : إنّ إسناد الختم إلى اللّه تعالى مجاز ، والخاتم في الحقيقة الكافر إلّا أنّه تعالى لما كان هو الذي أقدره ومكّنه أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى السبب فيقال : بنى الأمير المدينة ، لأنّ للفعل ملابسات شتّى يلابس الفاعل والمفعول به والمصدر والزمان والمكان والمسبب له ، فإسناده إلى الفاعل حقيقة ، وقد يسند إلى هذه الأشياء مجازا لمضاهاتها الفاعل في ملابسة الفعل كما يضاهي الرجل الأسد في جرأته فيستعار له اسمه ، وهذا فرع مسألة خلق الأفعال وَعَلى سَمْعِهِمْ وحّد السّمع كما وحّد البطن في قوله : * كلوا في بعض بطنكم تعفوا * « 1 » لأمن اللبس ، ولأنّ السمع مصدر في أصله ، يقال : سمعت الشيء سمعا وسماعا ، والمصدر لا يجمع لأنه اسم جنس يقع على القليل والكثير فلا يحتاج فيه إلى التثنية والجمع فلمح الأصل ، وقيل المضاف محذوف أي وعلى مواضع سمعهم ، وقرئ وعلى أسماعهم وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ بالرفع خبر ومبتدأ ، والبصر : نور العين وهو ما يبصر به الرائي « 2 » ، كما أنّ البصيرة : نور القلب وهو « 3 » ما به يستبصر ويتأمل ، وكأنّهما جوهران لطيفان خلقهما اللّه تعالى ، فيهما آلتين للإبصار والاستبصار . والغشاوة : الغطاء فعالة من غشاه إذا غطّاه ، وهذا البناء لما يشتمل على الشيء كالعصابة والعمامة والقلادة . والأسماع داخلة في حكم الختم لا في حكم التّغشية لقوله : وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً « 4 » ولوقفهم على سمعهم دون قلوبهم ونصب المفضل وحده غشاوة بإضمار جعل ، وتكرير الجار في
--> ( 1 ) هو صدر بيت عجزه : فإن زمانكم زمن خبيص . ( 2 ) في ( ظ ) المرء . ( 3 ) في ( ز ) وهي . ( 4 ) الجاثية ، 45 / 23 .