عبد الله بن أحمد النسفي

42

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

يكون في الرّجال من مرضيات الخصال ، وأن يكون ألم خبر مبتدأ محذوف أي هذه ألم جملة ، وذلك الكتاب جملة أخرى ، وإن جعلت ألم بمنزلة الصوت ، كان ذلك مبتدأ خبره الكتاب ، أي ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل لا رَيْبَ لا شك ، وهو مصدر رابني إذا حصل فيه « 1 » الريبة ، وحقيقة الريبة قلق النّفس واضطرابها ، ومنه قوله عليه السّلام : ( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الشك ريبة وإن الصدق طمأنينة ) « 2 » أي فإن كون الأمر مشكوكا فيه مما تقلق له النفس ولا تستقر ، وكونه صحيحا صادقا مما تطمئن له وتسكن ، ومنه ريب الزمان ، وهو ما يقلق النفوس ويشخص بالقلوب من نوائبه ، وإنما نفى الريب على سبيل الاستغراق ، وقد ارتاب فيه كثير لأنّ المنفي كونه متعلقا للريب ومظنة له ، لأنه من وضوح الدلالة وسطوع البرهان ، بحيث لا ينبغي لمرتاب أن يقع فيه ، لا أن أحدا لا يرتاب ، وإنما لم يقل لا فيه ريب كما قال : لا فِيها غَوْلٌ « 3 » لأنّ المراد في إيلاء الرّيب صرف « 4 » النفي نفي الريب عنه وإثبات أنه حق لا باطل كما يزعم الكفار ، ولو أولى الظرف لبعد عن المراد « 5 » هو أن كتابا آخر فيه ريب ، لا فيه كما « 6 » في قوله تعالى : لا فِيها غَوْلٌ ، تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا بأنها لا تغتال العقول كما تغتالها هي ، والوقف على فيه هو المشهور ، وعن نافع « 7 » وعاصم أنهما وقفا على ريب ، ولا بد للواقف من أن ينوي خبرا والتقدير لا ريب فيه فِيهِ هُدىً فيه بإشباع كلّ هاء مكي « 8 » ووافقه حفص « 9 » في فِيهِ مُهاناً « 10 » وهو الأصل كقولك مررت به ومن عنده وفي داره ، وكما لا يقال في داره ومن عنده وجب أن لا يقال فيه ، وقال سيبويه : ما قاله مؤد إلى الجمع بين ثلاثة أحرف سواكن الياء قبل الهاء والهاء ، إذ الهاء المتحركة في كلامهم بمنزلة الساكنة ،

--> ( 1 ) في ( ظ ) و ( ز ) فيك . ( 2 ) أخرجه الترمذي في آخر الطب ، والحاكم في الأحكام وفي البيوع ، والطبراني والبزار . ( 3 ) الصافات ، 37 / 47 . ( 4 ) في ( ظ ) و ( ز ) حرف . ( 5 ) في ( ز ) يقصد إلى ما يبعد عن المراد . ( 6 ) في ( ظ ) كباقي قوله ، وفي ( ز ) كما قصد في قوله . ( 7 ) نافع : هو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني ، أحد القراء السبعة المشهورين ، أصله من أصبهان لم يذكر تاريخ مولده مات عام 169 ه ( غاية النهاية 2 / 330 ) . ( 8 ) مكي : هو مكي بن أبي طالب حموش بن مختار الأندلسي القيسي ، أبو محمد ، مقرئ عالم بالتفسير والعربية ولد عام 355 ه ومات عام 437 ه ( الأعلام 7 / 286 ) . ( 9 ) حفص : هو حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي ، أبو عمر ، قارئ أهل الكوفة ولد عام 90 ه وتوفي عام 180 ه وكان أعلم أصحاب عاصم بقراءته ( غاية النهاية 1 / 254 ) . ( 10 ) الفرقان ، 25 / 69 .