عبد الله بن أحمد النسفي
43
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
لأن الهاء خفية والخفي قريب من الساكن والياء بعدها ، والهدى مصدر على فعل كالبكى ، وهو الدلالة « 1 » الموصلة إلى البغية بدليل وقوع الضلالة في مقابلته في قوله : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى « 2 » وإنّما قيل هدى لِلْمُتَّقِينَ والمتقون مهتدون لأنّه كقولك للعزيز المكرّم : أعزك اللّه وأكرمك ، تريد طلب الزيادة إلى « 3 » ما هو ثابت فيه واستدامته ، كقوله : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ « 4 » ولأنّه سمّاهم عند مشارفتهم لاكتساء لباس التقوى متقين ، كقوله عليه السّلام : ( من قتل قتيلا فله سلبه ) « 5 » وقول ابن عباس رضي اللّه عنهما : إذا أراد أحدكم الحج فليعجل فإنّه يمرض المريض « 6 » ، فسمّى المشارف للقتل والمرض قتيلا ومريضا ولم يقل : هدى للضالين ، لأنّهم فريقان : فريق علم بقاؤهم على الضّلالة ، وفريق علم أن مصيرهم إلى الهدى ، وهو هدى لهؤلاء فحسب ، فلو جيء بالعبارة المفصحة عن ذلك لقيل هدى للصائرين إلى الهدى بعد الضلال ، فاختصر الكلام بإجرائه على الطريقة التي ذكرنا ، فقيل هدى للمتقين مع أنّ فيه تصديرا للسورة التي هي أولى الزّهراوين وسنام القرآن بذكر أولياء اللّه ، والمتقي في اللغة اسم فاعل من قولهم : وقاه فاتقى ، ففاؤها واو ولامها ياء ، وإذا بنيت من ذلك افتعل قلبت الواو تاء وأدغمتها في التاء الأخرى فقلت اتقى ، والوقاية فرط الصيانة ، وفي الشريعة من يقي نفسه تعاطي ما يستحق به العقوبة من فعل أو ترك ، ومحل هدى الرفع لأنّه خبر مبتدأ محذوف ، أو خبر مع لا ريب فيه لذلك أو النصب على الحال من الهاء في فيه ، والذي هو أرسخ عرفا في البلاغة أن يقال إنّ قوله ألم جملة برأسها ، أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها ، وذلك الكتاب جملة ثانية ، ولا ريب فيه ثالثة ، وهدى للمتقين رابعة ، وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة حيث جيء بها متناسقة هكذا من غير حرف عطف ، وذلك لمجيئها متآخية آخذا بعضها بعنق بعض ، فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها وهلم جرا إلى الثالثة والرابعة ، بيان ذلك أنّه نبه أولا على « 7 » أنّه الكلام المتحدّى به ، ثم أشير إليه بأنّه الكتاب المنعوت بغاية الكمال ، فكان تقريرا لجهة التحدي ، ثم نفى عنه أن تنشبه « 8 » طرف من الريب ، فكان شهادة وتسجيلا بكماله ، لأنّه لا كمال أكمل مما للحقّ واليقين
--> ( 1 ) في ( ظ ) الدالة . ( 2 ) البقرة ، 2 / 16 . ( 3 ) في ( ز ) على . ( 4 ) الفاتحة ، 1 / 6 . ( 5 ) متفق عليه من حديث أبي قتادة . ( 6 ) موقوف عزاه الطيبي لأبي داود وحده مرفوعا ، والحديث بتمامه عند ابن ماجة وأحمد وإسحاق في مسنديهما ، وفيه أبو إسرائيل المكي وهو صدوق سيئ الحفظ . ( 7 ) ليست في ( ظ ) . ( 8 ) في ( ظ ) و ( ز ) يتشبث به ، وتنشبه : تعلق به .