عبد الله بن أحمد النسفي
32
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
وذا لا يجوز ، ولا اشتقاق لهذا الاسم عند الخليل « 1 » والزّجّاج « 2 » ومحمد بن الحسن « 3 » والحسين بن الفضل « 4 » ، وقيل معنى الاشتقاق أن ينتظم الصّيغتين فصاعدا معنى واحد ، وصيغة هذا الاسم وصيغة قولهم أله إذا تحيّر ، ينتظمهما معنى التّحيّر « 5 » والدّهشة ، وذلك أنّ الأوهام تتحير في معرفة المعبود ويدهش الفطن ، ولذا كثر الضّلال وفشا الباطل وقلّ النّظر الصّحيح ، وقيل هو من قولهم ألّه يؤلّه إلاها إذا عبد ، فهو مصدر بمعنى مألوه أي معبود ، كقوله هذا خَلْقُ اللَّهِ « 6 » أي مخلوقه ، وتفخّم لامه إذا كان قبلها فتحة أو ضمة ، وترقّق إذا كان قبلها كسرة ، ومنهم من يرقّقها بكلّ حال ، ومنهم من يفخم بكلّ حال ، والجمهور على الأوّل . والرّحمن فعلان من رحم وهو الذي وسعت رحمته كلّ شيء كغضبان من غضب وهو الممتلئ غضبا ، وكذا الرّحيم فعيل منه كمريض من مرض ، وفي الرّحمن من المبالغة ما ليس في الرّحيم ، لأن في الرّحيم زيادة واحدة وفي الرّحمن زيادتين ، وزيادة اللفظ تدل على زيادة المعنى ، ولذا جاء في الدّعاء يا رحمن الدّنيا « 7 » لأنّه يعمّ المؤمن والكافر ، ورحيم الآخرة لأنّه يخصّ المؤمن ، وقالوا : الرّحمن خاص تسمية ، لأنّه لا يوصف به غيره ، وعامّ معنى لما بينا ، والرّحيم بعكسه ، لأنّه يوصف به غيره ويخصّ المؤمنين ، ولذا قدّم الرحمن ، وإن كان أبلغ ، والقياس التّرقّي من الأدنى إلى الأعلى ، يقال : فلان عالم « 8 » نحرير ، لأنّه كالعلم لما لم يوصف به غير اللّه ، ورحمة اللّه إنعامه على عباده ، وأصلها العطف ، وأمّا قول الشّاعر « 9 » في مسيلمة « 10 » : وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا . فباب من تعنّتهم في كفرهم ، ورحمن غير منصرف عند
--> ( 1 ) الخليل : هو الخليل بن أحمد الفراهيدي ، أبو عبد الرحمن ، ولد عام 100 ه ومات عام 170 ه من أئمة اللغة والأدب اخترع العروض ، وله مؤلفات . ( الأعلام 2 / 314 ) . ( 2 ) الزّجّاج : هو إبراهيم بن السري بن سهل ، أبو إسحاق ، عالم بالنحو واللغة ، ولد عام 241 ه ومات عام 311 ه ( الأعلام 1 / 40 ) . ( 3 ) محمد بن الحسن بن فرقد ، أبو عبد اللّه ، من موالي بني شيبان ، إمام بالفقه والأصول وهو الذي نشر علم أبي حنيفة ولد عام 131 ه ومات عام 189 ه وله مؤلفات ( الأعلام 6 / 80 ) . ( 4 ) الحسين بن الفضل بن عمير البجلي ، ولد عام 178 ه ومات عام 282 ه مفسر ، كان رأسا في معاني القرآن ( الأعلام 2 / 251 ) . ( 5 ) ليست في ( أ ) . ( 6 ) لقمان ، 31 / 11 . ( 7 ) زاد في ( ظ ) والآخرة . ( 8 ) زاد في ( ز ) ذو فنون نحرير . ( 9 ) الشاعر مجهول وصدر البيت : سموت بالمجد يا ابن الأكرمين أبا . ( 10 ) مسيلمة : هو المتنبئ الكذاب مسيلمة بن ثمامة بن كبير ، أبو ثمامة ، ولد ونشأ في اليمامة ، من المعمرين ، قتله المسلمون عام 12 ه ( الأعلام 7 / 226 ) .