عبد الله بن أحمد النسفي

33

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة الفاتحة ( 1 ) : آية 2 ] الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 ) من زعم أنّ الشرط انتفاء فعلانة ، إذ ليس له فعلانة ، ومن زعم أنّ الشرط وجود فعلى صرفه إذ ليس له فعلى ، والأوّل الوجه . 2 - الْحَمْدُ الوصف بالجميل على جهة التّفضيل ، وهو رفع بالابتداء وأصله النّصب ، وقد قرئ باضمار فعله على أنّه من المصادر المنصوبة بأفعال مضمرة في معنى الإخبار ، كقولهم شكرا وكفرا ، والعدول عن النّصب إلى الرّفع للدّلالة على ثبات المعنى واستقراره ، والخبر لِلَّهِ واللام متعلق بمحذوف أي واجب أو ثابت ، وقيل الحمد والمدح أخوان ، وهو الثّناء والنّداء على الجميل من نعمة وغيرها ، تقول : حمدت الرّجل على إنعامه وحمدته على شجاعته وحسبه ، وأمّا الشّكر فعلى النّعمة خاصة ، وهو بالقلب واللّسان والجوارح قال : أفادتكم النّعماء مني ثلاثة * يدي ولساني والضمير المحجبا « 1 » والحمد باللسان وحده ، وهو إحدى شعب الشّكر ومنه الحديث ( الحمد رأس الشّكر ما شكر اللّه عبد لم يحمده ) « 2 » وجعله رأس الشّكر لأنّ ذكر النّعمة باللسان أشيع لها من الاعتقاد ، وآداب الجوارح لخفاء عمل القلب وما في عمل الجوارح من الاحتمال ، ونقيض الحمد الذّمّ ، ونقيض الشّكر الكفران ، وقيل المدح ثناء على ما هو له من أوصاف الكمال ، ككونه باقيا قادرا عالما أبديّا أزليّا ، والشّكر ثناء على ما هو منه من أوصاف الافضال ، والحمد يشملهما ، والألف واللّام فيه للاستغراق عندنا خلافا للمعتزلة « 3 » ولذا قرن باسم اللّه ، لأنّه اسم ذات فيستجمع صفات الكمال ، وهو بناء على مسألة خلق الأفعال ، وقد حققته في مواضع رَبِّ الْعالَمِينَ الرّبّ المالك ، ومنه قول صفوان « 4 » . . .

--> ( 1 ) الشعر لابن الحجاج حسين بن أحمد ، أبو عبد اللّه ( ت 391 ه ) . ( 2 ) رواه عبد الرزاق عن ابن عمرو ، وابن عباس مرفوعا وفيه انقطاع . ( 3 ) المعتزلة : فرقة من فرق الإسلام رأسها واصل بن عطاء ( ت 131 ه ) سمّي أصحابه بالمعتزلة لاعتزاله حلقة درس الحسن البصري ( ت 110 ه ) وهم يرون أن أفعال الخير من اللّه ، وأفعال الشر من العباد ، وأن القرآن مخلوق محدث وليس بقديم ، وأن المؤمن إذا ارتكب الذنب كشرب الخمر وغيره يكون في منزلة بين منزلتين لا مؤمنا ولا كافرا ولهم آراء أخرى . ( الملل والنحل - الفصل الأول - ص 21 - دار دانية 1990 ) . ( 4 ) صفوان : هو صفوان بن أمية بن خلف بن وهب ، صحابي كان من أشراف قريش في الجاهلية