عبد الله بن أحمد النسفي

274

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 135 ] وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 135 ) ومواساة فقراء المسلمين ، وقيل المراد الإنفاق في جميع الأحوال لأنّها لا تخلو من حال مسرّة ومضرّة وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ والممسكين الغيظ عن الإمضاء ، يقال كظم القربة إذا ملأها « 1 » وشدّ فاها ، ومنه كظم الغيظ وهو أن يمسك على ما في نفسه منه بالصبر ولا يظهر له أثرا . والغيظ : توقّد حرارة القلب من الغضب ، وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم : ( من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ اللّه قلبه أمنا وإيمانا ) « 2 » وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ أي إذا جنى عليهم أحد لم يؤاخذوه ، وروي : ينادي مناد يوم القيامة أين الذين كانت أجورهم على اللّه فلا يقوم إلّا من عفا « 3 » . وعن ابن عيينة « 4 » أنّه رواه للرشيد وقد غضب على رجل فخلّاه وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ اللام للجنس ، فيتناول كلّ محسن ، ويدخل تحته هؤلاء المذكورون ، أو للعهد فيكون إشارة إلى هؤلاء . عن الثوري « 5 » : الإحسان أن تحسن إلى المسئ فإنّ الإحسان إلى المحسن متاجرة . 135 - وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً فعلة متزايدة القبح ، ويجوز أن يكون والذين مبتدأ خبره أولئك أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ قيل : الفاحشة الكبيرة ، وظلم النفس الصغيرة ، أو الفاحشة الزنا وظلم النفس القبلة واللمسة ونحوهما ذَكَرُوا اللَّهَ بلسانهم أو بقلوبهم ليبعثهم على التوبة فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ فتابوا عنها لقبحها نادمين ، قيل بكى إبليس حين نزلت هذه الآية وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ من مبتدأ ويغفر خبره ، وفيه ضمير يعود إلى من ، وإلّا اللّه بدل من الضمير في يغفر ، والتقدير ولا أحد يغفر الذنوب إلّا اللّه ، وهذه جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه ، وفيه تطييب لنفوس العباد ، وتنشيط للتوبة وبعث عليها ، وردع عن اليأس والقنوط ، وبيان لسعة رحمته وقرب مغفرته من التائب ، وإشعار بأنّ الذنوب وإن جلّت فإنّ عفوه أجلّ وكرمه أعظم وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا ولم يقيموا على قبيح فعلهم ، والإصرار

--> ( 1 ) في ( ز ) إذا امتلأها . ( 2 ) رواه أبو داود وأحمد وعبد الرزاق عن سهل عن معاذ بن أنس . ( 3 ) رواه البيهقي في الشعب . ( 4 ) ابن عيينة : هو سفيان بن عيينة بن ميمون الهلالي الكوفي ، كان حافظا ثقة ولد عام 107 ه وتوفي في مكة عام 198 ه ( الأعلام 3 / 105 ) . ( 5 ) الثوري : هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري من بني ثور ، أمير المؤمنين في الحديث ولد عام 97 ه في الكوفة وتوفي في البصرة عام 161 ه ( الأعلام 3 / 104 ) .