عبد الله بن أحمد النسفي

273

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 133 إلى 134 ] وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ( 133 ) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 134 ) 133 - وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ سارعوا مدني وشامي ، فمن أثبت الواو عطفها على ما قبلها ، ومن حذفها استأنفها ، ومعنى المسارعة إلى المغفرة والجنة الإقبال على ما يوصل إليهما ، ثم قيل هي الصلوات الخمس ، أو التكبيرة الأولى ، أو الطاعة ، أو الإخلاص ، أو التوبة ، أو الجمعة والجماعات عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أي عرضها عرض السماوات والأرض كقوله : عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ « 1 » والمراد وصفها بالسعة والبسط فشبهت بأوسع ما علمه الناس من خلقه وأبسطه ، وخصّ العرض لأنّه في العادة أدنى من الطول للمبالغة ، وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما كسبع سماوات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض ، وما روي أنّ الجنة في السماء السابعة أو في السماء الرابعة فمعناه أنّها في جهتها لا أنّها فيها أو في بعضها ، كما يقال في الدار بستان وإن كان يزيد عليها لأنّ المراد أنّ بابه إليها أُعِدَّتْ في موضع جر صفة لجنة أيضا ، أي جنة واسعة معدة لِلْمُتَّقِينَ ودلت الآيتان على أنّ الجنة والنار مخلوقتان ، ثم المتقي من يتقي الشرك ، كما قال : وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ « 2 » أو من يتقي المعاصي ، فإن كان المراد الثاني فهي لهم بغير عقوبة ، وإن كان الأول فهي لهم أيضا في العاقبة ، ويوقف عليه إن جعل : 134 - الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ في حال اليسر والعسر مبتدأ وعطف عليه والذين إذا فعلوا فاحشة وجعل الخبر أولئك ، وإن جعل وصفا للمتقين وعطف عليه والذين إذا فعلوا فاحشة أي أعدت للمتقين والتائبين فلا وقف ، فإن قلت الآية تدلّ على أنّ الجنة معدة للمتقين والتائبين دون المصرّين قلت جاز أن تكون معدة لهما ، ثم يدخلها بفضل اللّه وعفوه غيرهما ، كما يقال أعدت هذه المائدة للأمير ثم قد يأكلها أتباعه ، ألا ترى أنّه قال واتقوا النّار التي أعدت للكافرين ، ثم قد يدخلها غير الكافرين بالاتفاق ، وافتتح بذكر الإنفاق لأنّه أشقّ شيء على النفس وأدلّه على الإخلاص ، ولأنّه كان في ذلك الوقت أعظم الأعمال للحاجة إليه في مجاهدة العدو

--> ( 1 و 2 ) الحديد ، 57 / 21 .