عبد الله بن أحمد النسفي

159

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 194 إلى 195 ] الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ( 194 ) وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 195 ) فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ فإن امتنعوا عن الكفر فلا تقاتلوهم فإنّه لا عدوان إلّا على الظالمين ولم يبقوا ظالمين ، أو فلا تظلموا إلا الظالمين غير المنتهين ، سمّى جزاء الظالمين ظلما للمشاكلة كقوله : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ قاتلهم المشركون عام الحديبية « 1 » في الشهر الحرام ، وهو ذو القعدة ، فقيل لهم عند خروجهم لعمرة القضاء وكراهتهم القتال وذلك في ذي القعدة . 194 - الشَّهْرُ الْحَرامُ مبتدأ خبره بِالشَّهْرِ الْحَرامِ أي هذا الشهر بذلك الشهر وهتكه بهتكه ، يعني تهتكون حرمته عليهم كما هتكوا حرمته عليكم وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ أي وكلّ حرمة يجري فيها القصاص . من هتك حرمة أيّ حرمة كانت اقتصّ منه بأن تهتك له حرمة ، فحين هتكوا حرمة شهركم فافعلوا بهم نحو ذلك ولا تبالوا ، وأكد ذلك بقوله : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ من شرطية والباء غير زائدة والتقدير بعقوبة مماثلة لعدوانهم ، أو زائدة وتقديره عدوانا مثل عدوانهم وَاتَّقُوا اللَّهَ في حال كونكم منتصرين ممن اعتدى عليكم فلا تعتدوا إلى ما لا يحلّ لكم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ بالنصر . 195 - وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تصدقوا في رضا اللّه وهو عام في الجهاد وغيره وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ أي أنفسكم والباء زائدة ، أو ولا تقتلوا أنفسكم بأيديكم كما يقال أهلك فلان نفسه بيده إذا تسببت « 2 » لهلاكها ، والمعنى النهي عن ترك الإنفاق في سبيل اللّه لأنّه سبب الهلاك ، أو عن الإسراف في النفقة حتى يفقر نفسه ويضيّع عياله ، أو عن الإخطار بالنفس ، أو عن ترك الغزو الذي هو تقوية للعدو ، والتهلكة والهلاك والهلك واحد وَأَحْسِنُوا الظنّ باللّه في الإخلاف إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ إلى المحتاجين .

--> ( 1 ) الحديبية : قرية متوسطة سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة حيث وادع النبي صلى اللّه عليه وسلم المشركين عام 5 ه ( معجم البلدان 2 / 265 ) . ( 2 ) في ( ظ ) و ( ز ) تسبب .