عبد الله بن أحمد النسفي
134
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 144 ] قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( 144 ) الإيمان ، وقبولها من أهل الإيمان ، وأداؤها في الجماعة دليل الإيمان . ولما توجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الكعبة قالوا : كيف بمن مات قبل التحويل من إخواننا ؟ فنزلت « 1 » ، ثم علّل ذلك فقال : إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ مهموز مشبع حجازي وشامي وحفص ، رؤوف غيرهم بوزن فعل وهما للمبالغة رَحِيمٌ لا يضيع أجورهم ، والرأفة أشدّ من الرحمة وجمع بينهما كما في الرحمن الرحيم . 144 - قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ تردد وجهك وتصرّف نظرك في جهة السماء . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتوقع من ربّه أن يحوله إلى الكعبة موافقة لإبراهيم ومخالفة لليهود ، ولأنّها ادعى للعرب إلى الإيمان لأنّها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم فَلَنُوَلِّيَنَّكَ فلنعطينّك ولنمكننّك من استقبالها ، من قولك ولّيته كذا إذا جعلته واليا له ، أو فلنجعلك تلي سمتها دون سمت « 2 » بيت المقدس قِبْلَةً تَرْضاها تحبّها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ، ووافقت مشيئة اللّه وحكمته ، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي نحوه . وشطر نصب على الظرف ، أي اجعل تولية الوجه تلقاء المسجد أي في جهته وسمته ، لأن استقبال عين القبلة متعسر على النائي . وذكر المسجد الحرام دون الكعبة دليل على أنّ الواجب مراعاة الجهة دون العين . روي أنّه عليه السّلام قدم المدينة فصلّى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا ثم وجّه إلى الكعبة « 3 » ، وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ من الأرض وأردتم الصلاة فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ أن « 4 » التحويل إلى الكعبة هو الحقّ ، لأنّه كان في بشارة أنبيائهم برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنّه يصلي إلى القبلتين ، مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ بالياء مكي وأبو عمرو ونافع وعاصم ، وبالتاء غيرهم ، فالأول وعيد للكافرين بالعقاب على الجحود والإباء ، والثاني وعد للمؤمنين بالثواب على القبول والأداء .
--> ( 1 ) رواه أبو داود والترمذي وصححه الحاكم من رواية سماك عن عكرمة عن ابن عباس . ( 2 ) سمت : طريق . ( 3 ) متفق عليه من طريق أبي إسحاق . ( 4 ) في ( ز ) أي .