عبد الله بن أحمد النسفي

135

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 145 إلى 146 ] وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ( 145 ) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 146 ) 145 - وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أراد ذوي العناد منهم بِكُلِّ آيَةٍ برهان قاطع أنّ التوجّه إلى الكعبة هو الحقّ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ لأنّ تركهم اتباعك ليس عن شبهة تزيلها بإيراد الحجة إنّما هو عن مكابرة وعناد مع علمهم بما في كتبهم من نعتك أنّك على الحقّ ، وجواب القسم المحذوف سدّ مسدّ جواب الشرط وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ حسم لأطماعهم ، إذ كانوا اضطربوا في ذلك وقالوا : لو ثبت على قبلتنا لكنّا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره ، وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم ، ووحّدت القبلة وإن كان لهم قبلتان فلليهود قبلة وللنصارى قبلة لاتحادهم في البطلان وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ يعني أنّهم مع اتفاقهم على مخالفتك مختلفون في شأن القبلة لا يرجى اتفاقهم كما لا ترجى موافقتهم لك ، فاليهود تستقبل بيت المقدس والنصارى مطلع الشمس وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ أي من بعد وضوح البرهان والإحاطة بأنّ القبلة هي الكعبة وأنّ دين اللّه هو الإسلام إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ لمن المرتكبين الظلم الفاحش . وفي ذلك لطف للسامعين وتهييج للثبات على الحقّ وتحذير لمن يترك الدليل بعد إنارته ويتّبع الهوى . وقيل الخطاب في الظاهر للنّبي عليه السّلام والمراد أمته ، ولزم الوقف على الظالمين إذ لو وصل لصار : 146 - الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ صفة للظالمين ، وهو مبتدأ والخبر يَعْرِفُونَهُ أي محمدا عليه السّلام ، أو القرآن ، أو تحويل القبلة ، والأول أظهر لقوله : كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ قال عبد اللّه بن سلام : أنا أعلم به مني بابني ، فقال له عمر « 1 » : ولم ؟ قال : لأني لست أشك في محمد أنّه نبي ، فأمّا ولدي فلعلّ والدته خانت ، فقبّل عمر رأسه ، وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ أي الذين لم يسلموا لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ حسدا وعنادا وَهُمْ يَعْلَمُونَ لأن « 2 » اللّه تعالى بيّنه في كتابهم .

--> ( 1 ) عمر : هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي ، أبو حفص ثاني الخلفاء الراشدين ولد عام 40 ق . ه وتوفي عام 23 ه ( الأعلام 5 / 45 ) . ( 2 ) في ( ز ) أن .