ابن العربي
1053
أحكام القرآن
وتحقيقه أن يقال : إنّ اللّه أباح وحرّم ، فالحرام ضلال ، والمباح هدى ، فإن كان المباح حقا - كما اتفق عليه العلماء - فالشطرنج من المباح ، فلا يكون من الضلال ، لأنّ من استباح ما أباح اللّه لا يقال له ضالّ ، وإن كان الشطرنج خارجا من المباح فيفتقر إلى دليل ، فإذا قام الدليل على أنه حرام فحينئذ يكون من الضلال الذي تضمّنته هذه الآية ، وقد قدمنا القول فيه ، وأنّ قول الشافعية إنه يخالف النرد ، لأن فيه إكداد الفهم ، واستعمال القريحة ، والنّرد قمار غرر لا يعلم ما يخرج له فيه ، كالاستقسام بالأزلام . وقال علماؤنا : إنّ الحديث الصحيح الثابت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « 1 » : من لعب بالنرد شير فقد غمس يده في لحم الخنزير ودمه - يوجب النهى عن الشطرنج ، لأنّ الكلّ يشغل عن ذكر اللّه وعن الصلاة ، والفهم يكدّ في كل واحد منهما وإن تفاضلا فيه . وأما لعب الرجل مع امرأته بالأربع عشرة فالممتنع لا تفترق فيه المرأة تكون للرجل ولا الأجنبي منه ، كما لا يجوز له أن يلعب معها بالنرد شير لعموم النهى فيه ، والأربع عشرة قمار مثله . وأما الغناء فإنه من اللهو المهيّج للقلوب عند أكثر العلماء ، منهم مالك بن أنس ، وليس في القرآن ولا في السنة دليل على تحريمه . أما أن في الحديث الصحيح [ دليلا على ] « 2 » إباحته ، وهو الحديث الصحيح أن أبا بكر دخل على عائشة وعندها جاريتان حاديتان « 3 » من حاديات الأنصار ، تغنيان بما تقاولت الأنصار به يوم بعاث ، فقال أبو بكر : أمزمار الشيطان في بيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ فقال رسول اللّه : دعهما يا أبا بكر ، فإنه يوم عيد ، فلو كان الغناء حراما ما كان في بيت رسول اللّه ، وقد أنكره أبو بكر بظاهر الحال ، فأقرّه النبىّ صلى اللّه عليه وسلم بفضل « 4 » الرخصة والرفق بالخليقة في إجمام القلوب ، إذ ليس جميعها يحمل الجدّ دائما . وتعليل النبي صلى اللّه عليه وسلم بأنه يوم عيد يدلّ على كراهية دوامه ، ورخصته في الأسباب كالعيد ، والعرس ، وقدوم الغائب ، ونحو ذلك من المجتمعات التي تؤلف بين المفترقين والمفترقات عادة .
--> ( 1 ) صحيح مسلم : 1770 . ( 2 ) من ل . ( 3 ) في ل : من جواري الأنصار . ( 4 ) في ا : بفعل .