ابن عطية الأندلسي

571

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

هذه آيات عبر وتعديد نعم . و : الْأَنْعامَ الأزواج الثمانية . ع و : مِنْها الأولى للتبعيض ، لأن المركوب ليس كل الأنعام ، بل الإبل خاصة . وَمِنْها الثانية لبيان الجنس ، لأن الجميع منها يؤكل . وقال الطبري في هذه الآية : إن الْأَنْعامَ تعم الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير وغير ذلك مما ينتفع به في البهائم ، ف مِنْها في الموضعين للتبعيض على هذا ، لكنه قول ضعيف ، وإنما الأنعام : الأزواج الثمانية التي ذكر اللّه فقط . ثم ذكر تعالى المنافع ذكرا مجملا ، لأنها أكثر من أن تحصى . وقوله تعالى : وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ يريد قطع المهامة الطويلة والمشاق البعيدة . و : الْفُلْكِ السفن ، وهو هنا جمع . و : تُحْمَلُونَ يريد : برا وبحرا . وكرر الحمل عليها ، وقد تقدم ذكر ركوبها لأن المعنى مختلف وفي الأمرين تغاير ، وذلك أن الركوب هو المتعارف فيما قرب واستعمل في القرى والمواطن نظير الأكل منها وسائر المنافع بها ، ثم خصص بعد ذلك السفر الأطول وحوائج الصدور مع البعد والنوى ، وهذا هو الحمل الذي قرنه بشبيهه من أمر السفن . ثم ذكر تعالى آياته عامة جامعة لكل عبرة وموضع نظر ، وهذا غير منحصر لاتساعه ، ولأن في كل شيء له آية تدل على وحدانيته ، ثم قررهم على جهة التوبيخ بقوله : فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ . ثم احتج تعالى على قريش بما يظهر في الأمم السالفة من نقمات اللّه في الكفرة الذين كانُوا أَكْثَرَ عددا وَأَشَدَّ قُوَّةً أبدان وممالك ، وأعظم آثارا في المباني والأفعال من قريش والعرب ، فلم يغن عنهم كسبهم ولا حالهم شيئا حين جاءهم عذاب اللّه وأخذه . و « ما » في قوله : فَما أَغْنى عَنْهُمْ نافية . قال الطبري : وقيل هي تقرير وتوقيف . قوله عزّ وجل : [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 83 إلى 85 ] فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 83 ) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ( 84 ) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ ( 85 ) الضمير في : جاءَتْهُمْ عائد على الأمم المذكورين الذين جعلوا مثلا وعبرة . واختلف المفسرون في الضمير في : فَرِحُوا على من يعود ، فقال مجاهد وغيره : هو عائد على الأمم المذكورين ، أي بما عندهم من العلم في ظنهم ومعتقدهم من أنهم لا يبعثون ولا يحاسبون . قال ابن زيد : واغتروا بعلمهم في الدنيا والمعايش ، وظنوا أنه لا آخرة ففرحوا ، وهذا كقوله تعالى : يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا [ الروم : 7 ] وقالت فرقة : الضمير في فَرِحُوا عائد على الرسل ، وفي هذا الرسل حذف ، وتقديره : فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ كذبوهم ، ففرح الرسل بما عندهم من العلم باللّه والثقة به ، وبأنه