ابن عطية الأندلسي
566
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
والمعنى : قل لهم يا محمد . ثم جزم الإخبار بأن الساعة آتية ، وهي القيامة المتضمنة للبعث من القبور والحساب بين يدي اللّه تعالى ، واقتران الجمع إلى الجنة وإلى النار . وقوله تعالى : لا رَيْبَ فِيها ، أي في نفسها وذاتها ، وإن وجد من العالم من يرتاب فيها فليست فيها في نفسها ريبة . وقوله تعالى : وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ آية تفضل ونعمة ووعد لأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم بالإجابة عند الدعاء ، وهذا الوعد مقيد بشرط المشيئة لمن شاء تعالى ، لا أن الاستجابة عليه حتم لكل داع ، لا سيما لمن تعدى في دعائه ، فقد عاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دعاء الذي قال : اللهم أعطني القصر الأبيض الذي عن يمين الجنة . وقالت فرقة : معنى : ادْعُونِي و أَسْتَجِبْ ، معناه : بالثواب والنصر ، ويدل على هذا التأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي ويحتج له لحديث النعمان بن بشير أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « الدعاء هو العبادة » وقرأ هذه الآية . وقال ابن عباس : المعنى : وحدوني أغفر لكم . وقيل للثوري : ادع اللّه ، فقال : إن ترك الذنوب هو الدعاء . وقرأ ابن كثير وأبو جعفر : « سيدخلون » بضم الياء وفتح الخاء . وقرأ نافع وحمزة والكسائي وابن عامر والحسن وشيبة : بفتح الياء وضم الخاء ، واختلف عن أبي عمرو وعن عاصم . والداخر : هو الصاغر الذليل . قوله عزّ وجل : [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 61 إلى 64 ] اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ( 61 ) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( 62 ) كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 63 ) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 64 ) هذا تنبيه من اللّه تعالى على آيات وعبر ، متى تأملها العاقل أدته إلى توحيد اللّه والإقرار بربوبيته . وقوله تعالى : وَالنَّهارَ مُبْصِراً مجازه يبصر فيه ، كما تقول : نهار صائم ، وليل قائم . وقوله تعالى : خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مخلوق ، وما يستحيل أن يكون مخلوقا كالقرآن والصفات فليس يدخل في هذا العموم ، وهذا كما قال تعالى : تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ [ الأحقاف : 25 ] معناه كل شيء مبعوث لتدميره . وقرأت فرقة : « تؤفكون » بالتاء ، وقرأت فرقة : « يؤفكون » بالياء ، والمعنى في القراءة الأولى قل لهم .