ابن عطية الأندلسي
567
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
و : تُؤْفَكُونَ معناه : تصرفون على طريق النظر والهدى ، وهذا تقرير بمعنى التوبيخ والتقريع ، ثم قال لنبيه : كَذلِكَ يُؤْفَكُ أي على هذه الهيئة وبهذه الصفة صرف اللّه تعالى الكفار الجاحدين بآيات اللّه من الأمم المتقدمة على طريق الهدى ، ثم بين تعالى نعمته في أن جعل الْأَرْضَ قَراراً ومهادا للعباد ، وَالسَّماءَ بِناءً وسقفا . وقرأ الناس : « صوركم » بضم الصاد . وقرأ أبو رزين : « صوركم » بكسر الصاد . وقرأت فرقة : « صوركم » بكسر الواو على نحو بسرة وبسر . وقوله تعالى : مِنَ الطَّيِّباتِ يريد من المستلذات طعما ولباسا ومكاسب وغير ذلك ، ومتى جاء ذكر الطَّيِّباتِ بقرينة رَزَقَكُمْ ونحو فهو المستلذ ، ومتى جاء بقرينة تحليل أو تحريم كما قال تعالى : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ [ الأعراف : 32 ] وكما قال : وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ [ الأعراف : 157 ] والطيبات في مثل هذا : الحلال ، وعلى هذا النظر يخرج مذهب مالك رحمه اللّه في الطيبات والخبائث ، وقول الشافعي رحمه اللّه : إن الطيبات هي المستلذات ، والخبائث ، هي المستقذرات ضعيف ينكسر بمستلذات محرمة ومستقذرات محللة لا رد له في صدرها ، وأما حيث وقعت الطيبات مع الرزق فإنما هي تعديد نعمة فيما يستحسنه البشر ، لا سيما هذه الآية التي هي مخاطبة لكفار ، فإنما عددت عليهم النعمة التي يعتقدونها نعمة ، وباقي الآية بين . قوله عزّ وجل : [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 65 إلى 67 ] هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 65 ) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 66 ) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 67 ) لما سددت الآيات صفات اللّه تعالى التي تبين فساد حال الأصنام كان من أبينها أن الأصنام موات جماد ، وأنه عزّ وجل الحي القيوم ، وصدور الأمور من لدنه ، وإيجاد الأشياء وتدبير الأمر دليل قاطع على أنه حي لا إله إلا هو . وقوله : فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ كلام متصل مقتضاه : ادعوه مخلصين بالجهد ، وبهذه الألفاظ قال ابن عباس : من قال لا إله إلا اللّه ، فليقل على أثرها : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ . وقال نحو هذا سعيد بن جبير ثم قرأ هذه الآية . ثم أمر اللّه تعالى نبيه عليه السلام أن يصدع بأنه نهي عن عبادة الأصنام التي عبدها الكفار من دون